ولتقل لنفسك الأمارة بالسوء: يا نَفْسُ، ألا تَرَيْنَ تلك الآلاف من الناس الذين يملأون السجون من أجل معصية الله؟! فكفاك شرفًا أنك ابْتُلِيتِ من أجل طاعتك لله عز وجل، فَتَرَيْنَ هذا وقد حكم عليه بالإعدام من أجل لحظةِ شهوةٍ تافهةٍ حقيرةٍ وهو يغتصب فتاةً، وهذا من أجل لحظاتِ أُنسٍ بالشيطان والمخدرات حُكِمَ عليه بالسجن المؤبد، وغيرهم كثير وكثير.
وتفكَّرْ كذلك في آلاف الناس من أهل الدنيا، بل والكفار، الذين أصيبوا بالشلل أو العمى، فهم في بلاء أقسى من ابتلائك الذي تعيش فيه وأشد منه مئات المرات.
ولعل هذه الأشهر أو السنوات تكون سببًا في إمامتكَ في الدين، ومعرفتك بالعلم بالله والعلم بأمر الله، ووصولِكَ إلى درجات العابدين والزاهدين والخاشعين، فكم من أخٍ لم يعرف القيام حق معرفته إلا في الشدة، وكم من أخٍ لم يفقه القرآن ويفهم مراميه ويدركْ حكمه الباهرة حق الإدراك إلا في الشدة، ذلك فضلًا عن حفظه ودراسةِ تفسيره، كل ذلك مضافًا إليه نيلُ درجاتٍ في علومٍ لا يتعلمها المرء من الكتب والصحف، وإدراكُ معانٍ ما كان ليدركها أو يتذوق حلاوتها مهما قرأ عنها أو درسها أو حفظها، وذلك مثل معاني التوكل والإنابة والخشية والتوبة واليقين والرضى.
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان يقول: (أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحت فهي معي لا تفارقني إن حبسي خلوةٌ، وقتلي شهادةٌ، وإخراجي من بلدي سياحةٌ) .
وليقل الأخ - كما قال ابن الجوزي مخاطبًا ربه:"فما أربَحني فيما سُلِبَ مني إذ كانت ثمرته الملجأ إليك، وما أوفرَ جمعي إذ ثمرتُه إقبالي على الخلوة بك، وما أغناني إذ أفقرتني إليك، وما آنَسَنِي إذ أَوْحَشْتَني من خلقك، آهٍ على زمانٍ ضاع في غير خدمتك، أسفًا لوقت مضى في غير طاعتك، قد كنت إذا انتبهت وقت الفجر لا يؤلمني نومي طول الليل! وإذا انسلخ عني النهار لا يُوجعُني ضياع ذلك اليوم! وما علمتُ أن عدمَ الإحساسِ لقوةِ المرض، فالآن قد هَبَّتْ نسائمُ العافية، فأحسستُ بالألم، فاستدللتُ على الصحة، فيا عظيم الإنعام، تَمِّمْ لِيَ العافية".