الصفحة 33 من 58

إن البندقية بيد أمثال"خالد"ورفاقه تختلف عن أي بندقية، حتى ولو كانت جميعًا من مصنع واحد، وإن الرصاصة التي تنطلق من هؤلاء تختلف عن غيرها، ألا ترى إلى تلك الرصاصات الصادقة التي أطلقها أضعف المجاهدين من مسافة بعيدة جدًا لتصيب قائدًا للعدو في عنقه، إنها الرصاصات الصادقة التي توجهت من بندقية صادقة، يحملها رجل صادقٌ مع ربه، مخلصٌ لدينه، وكذلك تلك الرصاصة التي أطلقها مجاهد آخر على أحد قادة الكفر وحدها، وقد علت الدهشة كل الأطباء والجراحين وقتها، بل ورجال المعمل الجنائي، حتى ظنوا أن هذه الرصاصة ليست من الرصاص العادي الذي نعرفه جميعًا، بل هي نوع خاص من الرصاص! وذلك كله لدهشتهم كيف تُحدِثُ رصاصة واحدة كل هذه الإصابات والكسور الخطيرة؟! إنها رصاصة صادقة خرجت من بندقية صادقة، يحملها رجل صادق مع ربه مخلص لدينه.

إننا قد نملك السيف، ولكن أين أمثال علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل؟ إننا قد نملك السيف، ولكن أين صلاح الدين؟ وقلب صلاح الدين؟ وإخلاص وزهد صلاح الدين؟ إننا قد نملك السلاح، ولكن أين خالد ورفاقه وزهدهم وصدقهم وإخلاصهم وورعهم وتواضعهم؟

وقد قيل لرجل: ارق فلانًا بالفاتحة، فإن عمر بن الخطاب كان يرقي بها فيشقى المريض، فقال: (هذه الفاتحة، ولكن أين عمر؟) .

إن السيف لن يصدق إلا إذا حمله صادق، ولن يخلص إلا إذا جاهد به مخلص، ولن يؤثر في أعداء الله إلا إذا حمله أولياء الله بحق، ولن يكون على خلق حتى يكون حامله على نهج النبوة وأخلاقها.

وقد أعجبني قول مصطفى صادق الرافعي حينما قال ما مغزاه؛ إنه ليس للمسلمين أخلاق فحسب بل إن لسيوفهم أخلاقًا.

ألا ترى أنها لا تقتل طفلًا ولا شيخًا ولا امرأة ولا فانيًا، ولا تقطع شجرًا ولا نخلًا، صدقت والله! بل إن هذه السيوف لا تقاتل كبِرًا ولا عُجبًا ولا رياءً ولا تجبرًا ولا طغيانًا، بل تقاتل حبًا في الله وإعلاءً لكلمته سبحانه، ورفعة لشأن الإسلام، وحتى تكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا.

إن الرجل ليصدق مع ربه، ويصدق في دعوته وجهاده وأمره ونهيه، فينعكس ذلك الصدق على كل شيء في حياته، فلا ينعكس على سيفه وسلاحه فحسب، بل يصدق معه كل شيء حتى دابته التي يركبها ويجاهد عليها وينطلق بها من مكان لآخر في سبيل الله رافعًا لرايته وناشرًا لدينه، وكأن الصدق قد انتقل منه إلى تلك الدابة العجماء، أو تلك السيارة الصماء التي يتحرك بها في سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت