الصفحة 52 من 58

وقد أعجبني تفسيرُ شيخٍ عالمٍ جليلٍ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} ، فقد قال في أحد دروسه التي كان يلقيها على الإخوة - خلال فترة ابتلائه - قال: (كيف يطلب منهم القرآن أن يؤمنوا وهم مؤمنون؟ بل والخطاب في الآية: {يا أيها الذين آمنوا} فما معنى ذلك الإيمان الذي يطلب منهم ها هنا؟) ، ثم أردف قائلًا: (إن الآية تطالبهم بتجديد الإيمان دائمًا، وذلك لأن الإيمان يحتاج إلى تجديد بين الحين والآخر) .

كَيفَ نُجَدِّدُ إيمَانَنَا؟

ولكن، كيف يمكن تجديد الإيمان؟

إن الإجابة الكاملة على هذا التساؤل ليس مكانها تلك الصفحات القليلة وتلك الرسالة المختصرة، ولكن يمكننا أن نعرج على بعضها في عجالة سريعة تكون بمثابة الإشارة التي قد تُغني عن العبارة، والموفَّق من فهم مغزاها وعمل بها وعلمها لغيره.

إن تجديد الإيمان مسألة يسيرة على من يسرها الله عليه، ولمن جهَّز قلبه ونفسه وروحه لذلك التجديد، وهناك وسائل كثيرة تعين العبد على تجديد إيمانه.

فمنها على سبيل المثال لا الحصر؛ زيارة القبور، وزيارة الصالحين والمتقين، والعلماء الثقات، والمجاهدين، والمخلصين، ومنها؛ قراءة سير السلف الصالح، وسير العابدين والزاهدين والمجاهدين والصادعين بالحق، والصابرين والشاكرين، ومنها كذلك؛ الحديث مع صحبة قليلة صالحة حول سير أولئك القوم الذي تحدثت عنهم آنفًا، ومنها؛ التفكر في أيام الله، ومنها؛ إحداث زيادة في العبادات عن الأوراد السابقة التي كان الأخ يقوم بها، ومنها؛ الذهاب للعمرة وخاصة في شهر رمضان لمن يستطيع ذلك، ومنها؛ الخلوة بنفسه ولو قليلًا كل يوم أو بين الحين والآخر، ومنها؛ الإكثار من ختم القرآن والدعاء والقيام والصدقة أكثر من ذي قبل، ولعلنا نلقي بعض الضوء في الأسطر القادمة على بعض هذه الوسائل

أولًا؛ قراءة سير السلف الصالح:

فقراءة سير الزاهدين تربي في القلوب الزهد، وقراءة سير المجاهدين والشهداء تجعل القلب يُحَلِّقُ في السماء وكأنه يعيش معهم ويستلهم منهم ويتمنى أن لو كان واحدًا منهم، بل إن قراءة سيرتهم تجد الواحد منا وكأنه قد انتظم في صف جيشهم، وكأنه يمتطي صهوة جواد يقاتل معهم ويصول ويجول في ميدان القتال، فكم أَحْيَتْ سيرة خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة عامر بن الجراح وعكرمة والمقداد والمثنى بن حارثة قلوبًا عرفَتْها، وكم دفعت أقوامًا للشهادة في سبيل الله، وكم حرضت على البذل والعطاء وإرواء شجرة الإسلام العظيمة من دماء الشهداء.

ومن أجل ذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أبناءهم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلمونهم الآية من القرآن.

إن سيرة رجل مثل خالد بن الوليد؛ وحدها يمكن أن تحيي قلوب أمة بأسرها، وتستنهض همتها، وتشد عزيمتها، ومن أجل ذلك نُصِحَتْ بعضُ الأنظمة العَلْمانية بعدم تدريس"عبقرية خالد"التي كانت مقررة على طلاب الثانوية العامة منذ سنوات، وذلك لما أحدثته من أثر خطير على الطلاب في تلك السن، وذلك بالرغم من أن"عبقرية خالد"لا تُعتَبَرُ مثالية تمامًا لمن يريد دراسة سيرة خالد بن الوليد دراسة مستفيضة، ورغم ذلك فقد كان أثرُها على أمة - كاد أن يموت فيها وازع الدين - عظيمًا وكبيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت