الصفحة 53 من 58

إن سيرة خالد بن الوليد وأمثاله؛ تجعل المسلم يحتقر الدنيا وشهواتها ولذاتها الفانية، وتجعله يحب الموت، وتجعله يمشي على الثرى وهمته في الثريا، وتجعله يحتقر نفسه الدنيئة التي تفكر أو تتعلق بعَرَضٍ زائلٍ أو متاعٍ رخيصٍ، وكم نَزَعَتْ سِيَرُهم من القلوب دواعي الرعب وهواتف الخوف وتلبيس الشيطان، وكم دفعت قلوبًا إلى حصن التوكل الحق على الله.

أما قراءة سير الزهاد والصالحين؛ فَتُنْبِتُ في القلب شجرة الزهد في الدنيا، وتظل تسقي هذه الشجرة حتى تترعرع في القلب وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وسير العابدين تربي النفس على حب القيام والصيام والذكر والدعاء والخشوع والبكاء، فكم أنبتت سير التوابين بذور التوبة، وكم حركت قلوبًا قست من كثرة بعدها عن ربها، وكم فتحت صنابيرَ دموعِ الندمِ والتوبة من أعينٍ ما عَرَفَتِ البكاء من قبل.

وقبل أن أختتم الحديث عن هذه النقطة أَوَدُّ أن أُذَكِّر بنقطتين هامتين:

أولاهما: أن لا يُقْتَصَر في سِيَرِهم على زمان معين، بل تُقْرُأُ سِيَرُهم من زمن الصحابة وحتى زماننا هذا.

ثانيهما: أن قراءة هذه السير لا تؤتي ثمارها المرجوَّة إلا إذا كان قلب الأخ وقتَها خاليًا من كل الشواغل والعوائق، وكان يعيش بمشاعره وقلبه وجوارحه كلها مع سيرتهم العطرة، فيقرأ تلك السير وقد تخلى عن جميع العوائق والعلائق التي تحول بينه وبين الغوص في بحار لآلئها، فإذا أضيف إلى ذلك كله أن يقوم أحد الإخوة الأفاضل ببسط الدروس المستفادة من تلك السِّيَرِ، وخاصة الدروس الإيمانية، ويُشْتَرَطُ في هذا الأخ أن يكون من الذين آتاهم الله مبلغًا كبيرًا من العلم بالله والعلم بأمر الله، ويُعْلَمُ من حاله التقوى والصلاح وكثرة البذل في سبيل الله مع الفهم الدقيق للسيرة والتاريخ الإسلامي.

فإذا ما استطعنا أن نفعل ذلك فإننا نكون قد فعلنا خيرًا كثيرًا، إلا أن الواقع العملي يبين أن هذه الشروط لا تتوفر في كثير من الإخوة! بل إنها لا توجد إلا في قلة قليلة منهم! ولكن ما أعظم أثرهم في تجديد الإيمان في الجماعة المسلمة.

ثانيًا؛ الخَلْوة:

ومن وسائل تجديد الإيمان أن يخلو الأخ بنفسه بين الحين والآخر خلوةً غير خلوته في قيام الليل والأذكار والتلاوة الراتبة، فكما ورد في الأثر؛ أن للعاقل أربعَ ساعات، منها ساعة يخلو فيها بنفسه.

وهذه الخلوة في غاية الأهمية بالنسبة لكل من يعمل للإسلام، ففيها يختلي العبد بربه ومولاه وخالقه، وفيها يأنس بربه وبالقرب منه سبحانه وتعالى، وينفرد فيها بمحبوبه الأعظم، ويتذوق فيها حلاوة مناجاته سبحانه، وهذه الخلوة؛ يحاسب الأخ فيها نفسه ويقف معها وقفة الشريك الشحيح مع شريكه، يحاسبها بعيدًا عن مدح المادحين وثناء المُثنين، ويحاسبها وهو يستشعر ذلك العبودية أمام مولاه وخالقه.

وفي هذه الخلوة؛ يتذكر ذنوبه ومعاصيه وتقصيره وغفلته - وخاصة المعاصي الباطنة - التي لا يعرفها مادحوه ويعرفها هو من نفسه، وفي هذه الخلوة يسح دموع الندم والإنابة، ويبكي خوفًا من الله وحياءً وحبًا وخشوعًا لعظمته سبحانه، ولعل هذه الدموع الصادقة قد تكون أنفعَ له وأجدى من كثير من عمله الذي يفرح به ويُعْجَبُ.

ولعلك تعجب من أخٍ قضى سنواتٍ في الالتزام ولم تَجُدْ عيناه بقطرة دمع خوفًا من الله وحياءً منه! فمن كان هذا شأنهَ؛ فاعلم أن فائدته في الدين لا تكاد تذكر.

فأين هذا ممن عَدَّهُم الرسول صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: (ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) .

وتأمل جيدًا كلمة"خاليًا"في الحديث؛ فهو في خلوة ابتعد فيها عن السمعة والرياء، واصطحب فيها التجرد والإخلاص لله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت