الصفحة 54 من 58

وفي هذه الخلوة؛ يتذكر نِعَمَ الله عليه وعلى إخوانه وجماعته المسلمة، ويتفكر في إكرام الله له، وأول هذه النعم وأعظمها؛ نعمة الهداية، ويظل يردد بقلبه وجوارحه معنى؛ {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} ، ويتفكر كذلك في أن إقبال الناس عليه وعلى دعوته وقبولهم لها ليس بسبب فصاحته وبلاغته أو عذوبة منطقه أو تمكنه من العلوم أو قوة حجته، ولكنه راجع إلى توفيق الله له، وكرم الله المحض عليه، وفضله المطلق عليه ... وهكذا، يظل يعدد النعم كلها في خلوته تلك.

ولا ينسى أن يُذكِّر نفسه؛ أن الله قد كف عنه وعن إخوانهِ الأعداءَ - وما أكثرَهم في ذلك الزمان وما أشدَّ بطشَهم - ويتذكر أن الله هو الذي رد كيدهم في نحورهم، وليس ذلك لأنه جاهد وخطَّط، وأعَدَّ وجَهَّز، وضرب وحطم، وأَمَّن ونَظَّم، ولكن كان ذلك من محض فضل الله، ولولا فضل الله لكان كل الذي فعله - إن كان فعله - سببًا في تسليط الأعداء عليه وعلى إخوانه وسببًا في هلكتهم، ولكنَّ الله سلَّم.

ويتفكر كم تحتاج هذه النعم كلها إلى شكر عظيم وأين هو من هذا الشكر؟ وما نصيبه منه إن كان له نصيب؟!

وفي هذه الخلوة؛ يتذكر الابتلاءات والمصائب التي مرت عليه وعلى إخوانه، فقد يكون ذلك بسبب ذنوبه - لاسيما إن كان في موضع قيادة أو ريادة - ويظل يكرر على قلبه معنى؛ {قل هو من عند أنفسكم} ، ثم يعزم على التوبة من تلك الذنوب، ورقع الخرق، وإصلاح العيب في نفسه، ويعزم على مثل ذلك إن كان في إخوانه شيء من ذلك فما نزل بلاء إلا بذنبٍ، ولا رُفِعَ إلا بتوبة - كما قال أحد السلف - فيتعود في الخلوة أن يمعن النظر إلى أسباب الابتلاءات من الناحية الشرعية الباطنة الدقيقة، وليس من الناحية الدنيوية الظاهرة فحسب.

وفي الخلوة؛ أشياء وأشياء كثيرة يصعب حصرها أو بيانها في تلك الصفحات القليلة، ولكني مُوقِنٌ أن سعة أفهامكم ووفور عقولكم، ستدلكم على ما لم يُكْتَبْ في هذه العُجالة.

ثالثًا؛ القيام ببعض الأعمال المتواضعة:

ومن وسائل تجديد الإيمان أن يقوم الأخ بين الحين والآخر ببعض الأعمال التي تربي على التواضع، وتزيل دواعي العجب من النفس الأمارة بالسوء، لاسيما إذا شعر الأخ المسلم أن شيئًا من ذلك تطرق إلى نفسه، أو نبهه أحد أساتذته ومشايخه إلى شيء من ذلك، شريطةَ أن لا تشغله هذه الأعمال عن عظائم أموره أو المهمات الجسام في الدين، وأن لا تجعله يقصر في أمرٍ أهم منه.

ومن هذه الأعمال - مثلًا: أن يحمل حذاء رجل أعمى من عوام المسلمين الصالحين في المسجد ويُلْبِسَها له عند خروجه من المسجد، ثم يوصله إلى بيته، أو يشارك في تنظيف المسجد ومسحه وكنسه، أو يخدم بنفسه بعض أيتام المسلمين أو مرضاهم ويقضي حوائجهم، أو يسعى بنفسه لشراء بعض حاجات أولاد أحد الإخوة المبتلَينْ، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، وكل هذه الأشياء لها فوائد عديدة يضيق المقام عن ذكرها.

لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وهو من هو - يحمل قربة من الماء على ظهره ليسقي بها بعض بيوت المسلمين، فقيل له في ذلك، فقال: (أعجبتني نفسي، فأردت أن أؤدبها) .

وكان يدواي البعير الأجرب، وكان يتسابق هو وأبو بكر الصديق إلى بعض بيوت أرامل المسلمين من القواعد من النساء لكي يطبخ أو يكنس، بل ويعجن كل واحد منهما عجين هؤلاء الأرامل، ولكن أبا بكر كان يسبقه دومًا إلى ذلك.

وفي هذا الباب كثير وكثير، شريطة أن لا يشغله ذلك عن عظائم الأمور ومهمات الدين الجسام - كما أسلفنا من قبل -

رابعًا؛ زيارة القبور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت