لقد بدأت الصحوة والجاهلية الغربية في أشد عنفوانها .. مسيطرة في كل الأرض، مسلطة أنوارها الباهرة على الساحة كلها، قاهرة أعداءها، مستذلة مخالفيها .. واليوم تغير الحال كثيرًا عن ذي قبل!
نصف الجاهلية قد هوى .. ومن فضل الله أن"شطأة" [1] من الصحوة الإسلامية في الجهاد الأفغاني كانت من العوامل القوية في هُوِيّ هذا القسم من الجاهلية، كما اعترف نيكسون نفسه في كتابه الأخير:"اغتنموا الفرصة Seize the Moment"وإن كان الإعلام العربي -مع الأسف- لم يعط هذه الحقيقة حظها من الإبراز، بل شارك في التعتيم العالمي على القضية الأفغانية!
أما النصف الثاني فما زالت له صولة ظاهرة .. ولكنه في الحقيقة في طريقه إلى الانهيار بما يحمل من عوامل الفساد التي لا يمكن أن يعيشها معها نظام حسب سنة الله ..
وهُوِِيّ الجاهلية جانب من قدر الله الغالب، لا يملك أعداء الإسلام منعه، ولا يملكون حجب آثاره عن واقع الأرض .. وواقع الإسلام!
ودخول مئات الألوف من الناس في أوربا وأمريكا في الإسلام من المبشرات .. فالكثرة الغالبة منهم من المثقفين: أطباء ومهندسون وعلماء.
ولا نقول: إن أحوال الأمة الإسلامية قد اجتذبتهم إلى الإسلام -فهذه الأحوال أجدر أن تنفرهم وتبعدهم! -إنما الذي اجتذبهم هو الإسلام ذاته، بما فيه من نصاعة الحق .. وهي تبدو اليوم أشد نصاعة كلما أوغلت الجاهلية في ظلماتها .. والجاهلية تفتح فاها عجبا- وحنقا- من أبنائها الذين يقبلون على الإسلام بعد ما جهدت تلك الجاهلية قرونًا متوالية لتنفيرهم منه .. ولكنها لا تستطيع أن تمنعهم رغم حنقها عليهم -وعلى النساء من بينهم خاصة- لأنهن تحدٍّ صارخ لكل دعاوى الجاهلية ضد الإسلام!
وما لنا ننسى المبشر الأول والأعظم .. أن كل الكيد الوحشي الذي يكاد للإسلام، بما فيه من تقتيل وتشريد وتعذيب، كانت ثمرته مزيدًا من المد الإسلامي في كل الأرض؟!
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [2] .
إن الإسلام قادم ..
لا نقولها نحن وحدنا .. إنما تقولها أوربا كذلك!
هم يقولونها فزعًا، ونحن نقولها فرحًا بموعود الله:
"لا تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود، فيقتل المسلمون اليهود، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله!" [3] .
"إنه تكون فيكم نبوة، فتبقى في الأرض ما شاء الله لها أن تبقى ثم ترفع. ثم تكون خلافة راشدة فتبقى في الأرض ما شاء الله لها أن تبقى ثم ترفع. ثم تكون ملكًا عاضًا فيبقى في الأرض ما شاء الله أن يبقى ثم يرفع، ثم تكون ملكًا جبرية، فيبقى في الأرض ما شاء الله له أن يبقى ثم يرفع. ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة" [4] .
ولكن هذا كله يلقي على الصحوة الإسلامية تبعة ثقيلة .. إن عليها أن تعيد للا إله إلا الله في نفوس الناس شحنتها الحية التي كانت لها يوم أن كانت فاعلة في واقع الأرض ..
عليها أن تنفض الركام كله الذي غشّى على لا إله إلا الله خلال قرون طويلة من التفلت والانحراف ..
عليها أن تجلوها كما كانت يوم أنزلت من عند الله .. يوم أن كانت -بكل مقتضياتها- عاملة في حياة الأمة المسلمة، فكانت نورًا للبشرية كلها استضاءت به وخرجت من ظلماتها، حتى من بقى منها على دينه ولم يدخل في الإسلام ..
(1) يقول تعالى عن المؤمنين: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) [الفتح: 29] .
(2) يوسف: 21.
(3) أخرجه مسلم.
(4) أخرجه الإمام أحمد.