الصفحة 3 من 105

وأننا لا نستطيع أن نزعم أننا وفينا لا إله إلا الله حقها -وإن اعتقدنا الاعتقاد الصحيح، وإن نجونا من الوقوع في شرك العبادة، وإن حكمت محاكمنا بشريعة الله -إذا كنا متخلفين علميًا، أو متخلفين اقتصاديًا، أو متخلفين حضاريًا [1] ، أو متخلفين أخلاقيًا، أو متخلفين اجتماعيًا، أو متخلفين فكريًا ثم سكتنا عن ذلك ولم نعمل على إزالته .. لأن هذه الأمور كلها من مقتضيات لا إله إلا الله، ولله ولرسوله في شأنها تعليمات واضحة، ملزمة للأمة المسلمة، سواء أكانت"فروض"عين، أو"فروض"كفاية، فهي لا تسمى"فروضًا"إلا إذا كانت من صلب الدين، ومن مقتضيات لا إله إلا الله [2] .

وإن كثيرًا من"الإسلاميين"ليسألونني: إلى متى نظل نتحدث في لا إله إلا الله؟ أما آن الأوان أن"ننتقل"إلى المرحلة التالية .. مرحلة"الحلول العملية"؟!

وربما كان هذا التساؤل هو الدافع الأول لهذا الكتاب!

فالقضية أولًا ليست قضية"التحدث"عن لا إله إلا الله! إنما التحدث عنها وعن مقتضياتها هو الخطوة الأولى في الطريق الطويل، الذي سلكه من قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويسلكه الدعاة من بعده. ويأتي بعد ذلك تربية الأمة على هذه المقتضيات، بدءًا بتربية قاعدة صلبة تكون نموذجًا لبقية الأمة تهتدي على ضوئه. وهذا ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عامًا في مكة، وعشر سنوات في المدينة، وما يجب أن يفعله الدعاة من بعده، وهو أمر لم يتم بعد، ويحتاج إلى أمد لتحقيقه، وجهد بالغ للقيام به، ولا ينقطع"الحديث"في أثنائه عن مقتضيات لا إله إلا الله؛ لأن القرآن الكريم لم ينقطع الحديث فيه عن لا إله إلا الله في كل مراحل التربية والإعداد، بل في كل المراحل على الإطلاق! ولأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكف عن الحديث عن مقتضيات لا إله إلا الله حتى لقي ربه!

والقضية ثانيًا أن"الحلول العملية"التي يتحدثون عن ضرورة"الانتقال"إليها، ليست شيئًا قائمًا بذاته خارج دائرة لا إله إلا الله، حتى نحتاج أن"ننتقل"من لا إله إلا الله؛ لنتوجه إليها بالدراسة والبحث! إنما هي من صميم لا إله إلا الله، ومن ثم لا نحتاج أن ننتقل من لا إله إلا الله؛ لنتوجه إليها! بل نحن دائمًا -أيًا كان بحثنا وأيًا كان توجهّنا -في داخل الدائرة الشاملة- دائرة لا إله إلا الله- لا نخرج منها إلى غيرها؛ لأنه لا يوجد غيرها في دين الله ولا في واقع الحياة، إذ أنه لا شيء يمكن أن يوجد خارج"صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي"التي هي بعينها دائرة لا إله إلا الله!

(1) سيأتي الحديث في أثناء الكتاب عن المفهوم الإسلامي للحضارة.

(2) من العجب أن الغزالي في القرن الخامس الهجري كان يتحدث عن فروض العين وفروض الكفاية وعلاقاتها بأصل الدين، ونحن في القرن الخامس عشر نجادل في شمول لا إله إلا الله للعلم والحضارة والقوة الحربية والخبرة التقنية!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت