الصفحة 4 من 105

إنما الذي يمكن أن يحدث في الحياة الواقعة أن ننتقل من مجال من مجالات لا إله إلا الله إلى مجال آخر، أو من طور من أطوارها إلى طور آخر، كما انتقلت الجماعة الأولى من طور الجماعة المستضعفة في مكة إلى الجماعة الممكنة في المدينة، إلى الدولة المتمركزة في المدينة، إلى الدولة الشاملة للجزيرة العربية، إلى الدولة الممتدة في الأرض، وكما انتقلت من طور ترسيخ العقيدة في نفوس الأفراد إلى طور قيام التجمع الحركي، إلى طور مواجهة هذا التجمع للجاهلية من حوله، إلى طور التنفيذ العملي للمنهج الرباني في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والداخلية والخارجية، والسلمية والحربية .. ولكنها في جميع الأحوال كانت داخل دائرة لا إله إلا الله، لا"تنتقل"منها إلى غيرها، ولا تتوقف كذلك عن الحديث الدائم عن مقتضياتها!

ولقد غلب على حس كثير من الناس في واقعنا المعاصر أن قضايا العلم والحضارة و"التكنولوجيا"والأدب والفن والفكر والاجتماع والسياسة، هي قضايا"موضوعية"بحتة، أو"فنية"بحتة، أو حتى قضايا"علمانية"بحتة خارجة عن إطار الدين، يستوي فيها المؤمن والكافر؛ وأن سعي الأمة الإسلامية إلى حيازة التقدم فيها يجب أن يكون موضوعيًا بحتًا لا علاقة له بالعقيدة، إنما ينبعث فقط من واجب"إزالة التخلف"و"اللحاق بركب الحضارة"والسعي إلى إيجاد"دولة حديثة"و"معايشة العصر"الذي نعيش فيه!

ويمكن إرجاع ذلك الأمر إلى سببين رئيسيين، أو ثلاثة.

السبب الأول هو تأثير الغزو الفكري على"المسلم المعاصر".. فأوربا -التي يتخذها"المسلم المعاصر"هاديًا له ودليلًا في قضايا العلم والحضارة والتكنولوجيا- قد حصرت الدين في العقيدة وحدها ثم نبذته، وتناولت هذه الأمور كلها بروح"علمانية"تبعدها إبعادًا كاملًا عن إطار الدين.

والسبب الثاني هو أن الأمة الإسلامية -في تخلفها العقدي- ظلت تنحسر بلا إله إلا الله حتى أفرغتها من مضمونها الحقيقي، وأحالتها مجرد كلمة تنطق باللسان، أو على الأكثر وجدانًا يصاحب الكلمة، وشعائر تعبدية، هي -في حسهم- أقصى ما تتحقق به لا إله إلا الله في واقع الحياة.

وبالتأثيرين معًا -تأثير الغزو الفكري وتأثير التخلف العقدي- تخرج أمور العلم والحضارة والقوة التكنولوجية وغيرها من مجال لا إله إلا الله، ويحتاج الأمر في حس الناس -إذا أردنا أن نحرز شيئًا من التقدم في تلك المجالات- أن"ننتقل"من لا إله إلا الله إلى تلك المجالات!

أما السبب الثالث الذي يمكن أن يضاف إلى السببين السابقين وإن كان من نتاجهما في الحقيقة، فهو الوهم الذي يتردد صداه عند كثير من الناس، من أن"ثورة التكنولوجيا"قد حوّلت العالم إلى"فرية صغيرة"، يجب أن يتعايش سكانها بمفاهيم موحدة، أو متقاربة؛ لكي يتمكنوا من الحياة. ومن ثم يصبح التقدم العلمي والحضاري والتكنولوجي .. الخ، قالبًا واحدًا، موحد الحجم والصورة والمضمون، ينتجه الغرب الظافر،"وتستورده"بلدان"العالم الثالث"للاستهلاك، لا مناص لها من ذلك ولا خيار!

وكل الثلاثة أوهام وأباطيل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت