الصفحة 5 من 105

فمسلك أوروبا الخاطئ تجاه الدين ليس هو النموذج الذي يحتذى .. وقد انهار نصف الجاهلية المعاصرة المعادية للدين، والنصف الآخر في طريقه للانهيار .. ومن الحماقة بالنسبة إلينا أن نتشبث بالنموذج المنهار ونحن نشهد انهياره أمام أعيننا .. بل إنه من الحماقة أن نتشبث بذلك النموذج ولو كان ثابتًا ممكنًا إلى يوم القيامة، ما دام الله قد أخبرنا أنهم قد خسروا الآخرة بكفرهم، فكيف وقد خسروا الدنيا كذلك، ومنّ الله علينا بأن أرانا الآية الكبرى في انهيارهم: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [1] .

والتخلف العقدي الذي أخرج"فروض الكفاية"بل بعض"فروض العين"ذاتها من دائرة لا إله إلا الله، هو من الأمور التي قامت الصحوة الإسلامية لتصحيحها، فلا ينبغي"للإسلاميين"بصفة خاصة أن يقعوا فيها، ولا ينبغي لهم أن يتضجروا من الحديث عن"لا إله إلا الله"، وشمولها لكل مجالات الحياة، وعن معاودة الحديث في هذا الشأن والاستمرار فيه، على الأقل حتى يصبح واقعًا ملموسًا يخرج الأمة من تخلفها العقدي، الذي ترتب عليه في حياة الأمة كل ما ترتب من تخلف حضاري وعلمي وتكنولوجي، وفكري وأخلاقي .. وفي كل الميادين. وإن كان ربنا قد علّمنا في كتابه الكريم أن هذا الحديث لا يكف أبدًا ولو تحققت كل مقوماته واقعًا ملموسًا، فقد نزل في المدينة -بعد قيام المجتمع المسلم والدولة المسلمة وتحقق المنهج الرباني في أمة قائمة بالفعل- قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) [2] وفي ذلك دلالة واضحة على أن الحديث في"لا إله إلا الله"لا ينقطع أبدًا ولو تحققت مقوماته في واقع فعلي، لأنه يحتاج دائمًا إلى تذكير، ويحتاج دائمًا إلى ترسيخ!

وأما القرية الواحدة فما أعجبها فِرية!

تلك القرية التي يقوم الوثنيون فيها والمشركون واليهود والنصارى بتذبيح المسلمين في وحشية يتعفف عنها كثير من الوحوش .. في البوسنة والهرسك، وبورما، والفلبين، والهند، وكشمير، وفلسطين، وكل مكان على ظهر الأرض! فما نصيبنا نحن المسلمين في تلك القرية إلا التذبيح والتقتيل لمجرد كوننا مسلمين؟ وصدق الله:

(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [3] .

(وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [4] .

فهل يريد أصحاب فكرة"الفرية الواحدة"أن نرتد عن ديننا؛ لننسق أمورنا مع أصحاب السلطان في القرية؟ أو ليست هذه حقيقة دعوتهم لنا أن نأخذ حضارة القوم وعلومهم وتقنياتهم على صورتها التي يقدمونها بها؛ لنتعايش معهم؟ أي نمسخ أنفسنا ونتخلى عن مقوماتنا التي ميزنا الله بها، من أجل أن نحصل على منزل"بالإيجار"من جبابرة القرية الظالمة المتعصبة ضدنا بعصبيات الجاهلية؟!

وأين هي الوحدة المزعومة في تلك القرية؟!

ولماذا يباح لفرنسا -أو فرنسا وألمانيا، أو أوروبا المتحدة- أن تناوئ أمريكا في داخل"القرية الواحدة"، ويباح للصين أن تسكن خارج القرية، ويباح لليابان أن تسكن ضاحية خاصة على مشارف القرية، ويطلب من المسلمين وحدهم أن يتنازلوا عن ذاتيتهم، لكي يساكنوا أصحاب القرية الظالمين؟!

هذا من جهة التعايش مع سكان القرية ..

ومن جهة أخرى فإن الظن بأن"التكنولوجيا"تصنع الإنسان، إنما هو استخذاء من"إنسان العصر"أمام"المادة"بعد أن فقد ذلك الإنسان مقومات إنسانيته!

لقد خلق الله الإنسان؛ ليكون هو السيد في الأرض بإذن من الله:

(1) العنكبوت: 43.

(2) النساء: 136.

(3) البقرة: 120.

(4) البقرة: 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت