الصفحة 41 من 105

وقال الشياطين للأمة التي كانت قد نسيت حظًا كبيرًا من دينها: انظروا إلى أوربا! إنها لم تتقدم إلا بعد أن نبذت الدين وأبعدته عن أن يحكم واقع الحياة!

وقالوا لها كذلك: كيف تحكم الشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنًا واقعًا مختلفًا تمام الاختلاف عن الواقع الذي نزلت له؟ أليست الدنيا تتطور؟ لا بد من تطوير الشريعة لتلائم ما حدث في الحياة من تطور!

وبسبب الجهالة التي كانت الأمة قد وقعت فيها بالنسبة لدينها، وبسبب التخاذل أمام الغزو الفكري وأمام ضغط"الأمر الواقع"الذي أحدثه الأعداء في بلاد الإسلام .. صدّق هذه الأباطيل جيل كامل من الناس .. إلا ما رحم ربك!

لم يكونوا يجدون أنفسهم؛ ليناقشوا تلك الأباطيل .. فإن الخواء الذي أصابهم من التخلف العقدي والإيماني، لم يترك لهم شيئًا من استعلاء الإيمان، الذي أخبرهم ربهم أن المؤمن يحس به ولو كان منهزمًا في المعركة أمام الأعداء:

(وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [1] .

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [2] .

كما أن التخلف الحربي والعلمي والاقتصادي و"التكنولوجي"الذي نشأ عن التخلف العقدي والإيماني [3] ، جعلهم ينسحقون في داخل نفوسهم في مواجهة التفوق الغربي في كل هذه الميادين .. فلا يجرؤ أحدهم أن يهمس -ولو في سره- أنْ ربما كان النموذج الغربي غير صالح في ذاته، أو غير صالح لنا على أقل تقدير!

وى! وهل يجوز للقزم أن ينتقد العملاق؟ أي جرأة! بل أي جنون؟!

فأما أوربا ودينها، وتقدمها بعد أن نبذت دينها، فقد تحدثت عنه في أكثر من كتاب [4] .

وخلاصة القول أن أوربا لم تعرف قط دين الله كما أنزل، إنما الذي عرفته وتشبثت به اثني عشر قرنًا كاملًا هو دين بولس -الذي كان اسمه شاول أيام يهوديته قبل أن يعلن الدخول في النصرانية- وهو دين مدخول، جمع من النقائض ما يعجب الإنسان من قوم صدقوه، وتشبثوا به، ورفضوا كل محاولة لتصحيحه، وقاتلوا قتالًا وحشيًا من أجله .. ثم أخيرًا نبذوه [5] !

ليس العجب أنهم نبذوه .. بل العجب أنهم صدقوه، وتشبثوا به كل هذه القرون ..

أفيجيء مسلم يعرف دين الله حقًا فيقول: أريد أن أنبذ ديني كما نبذت أوربا دينها لأتقدم؟!

(وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ) [6] .

وأما لوثة التطور التي أصابت أوربا فما كان ينبغي لها أن تتدسس إلى قلوب الناس وعقولهم في العالم الإسلامي، لو أنهم عرفوا دينهم حق المعرفة، وقرأوا تاريخهم، واطلعوا على تراثهم!

إن أوربا ظلت حياتها كلها تتخبط من طرف إلى طرف دون أن تتوقف عند نقطة الوسط الموزونة، لأن حياتها كلها كانت ردود فعل متوالية لمظالم وانحرافات يقع أمثالها في كل جاهلية من جاهليات التاريخ.

ونشهد أن أوربا فيها حيوية، وجلد، ومثابرة، وعزيمة .. ولكن هذا كله بغير هدى الدين الصحيح يذهب هباء في الدنيا والآخرة .. فأما في الدنيا؛ فلأن ما فيه من انحرافات يقضى عليه في النهاية وإن طال الأمد [7] ، وأما في الآخرة فلقوله تعالى:

(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [8] .

(1) آل عمران: 139.

(2) المنافقون: 8.

(3) اقرأ إن شئت فصل"آثار الانحراف"من كتاب"واقعنا المعاصر".

(4) "مذاهب فكرية معاصرة"و"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر"و"حول تطبيق الشريعة".

(5) مما ينبغي تذكره أن أوربا نبذت الدين ولكنها حافظت على عصبيتها الصليبية ضد الإسلام.

(6) فاطر: 19 - 20.

(7) كما انهارت الشيوعية أخيرًا.

(8) الفرقان: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت