الصفحة 42 من 105

وفي واحدة من هذه التخبطات، انتقلت أوربا من فكرة الثبات المطلق في كل شيء إلى فكرة التطور المطلق في كل شيء، ولم تقف عند نقطة الوسط الموزونة التي تدرك أنه ليس كل شيء في حياة الإنسان ثابتًا، أو ينبغي له أن يثبت، وليس كل شيء متغيرًا، أو ينبغي له أن يتغير. إنما في حياة الإنسان ثوابت ومتغيرات .. لا الثوابت ينبغي لها أن تتغير، ولا المتغيرات ينبغي لها أن تثبت، وإلا فسدت حياته ولم يعد لها"ميزان".. والله يقول:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [1] .

قضية التشريع قضية ذات صلة مباشرة بقضية الألوهية ..

وهي ليست مرتبطة بها برباط واحد، وإنما برباطين اثنين في آن واحد ..

فأما الرباط الأول فهو أن التشريع حق خالص للخالق سبحانه وتعالى بمقتضى أنه هو الخالق:

(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [2] .

فهو صاحب الأمر، أي الذي يحق له أن يقرر .. أن يقول هذا يكون وهذا لا يكون. هذا صواب وهذا خطأ. هذا حسن وهذا قبيح. هذا حلال وهذا حرام .. كل ذلك؛ لأنه هو الخالق. هو الذي خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان، ووهب له ما وهب من عقل مفكر وحواس مدركة ونعم لا تحصى. وهذا الإنسان -الذي ينازع الله حقًا من حقوقه الخالصة- لم يخلق نفسه ولا غيره، ولم يرزق نفسه ولا غيره، إنما هو عالة على خالقه في الصغيرة والكبيرة، حتى شربة الماء التي يشربها، ونفس الهواء الذي يتنفسه، فضلًا عن وجوده أصلًا، وتيسير كل مستلزمات حياته له.

فأيهما إذن هو الذي يقرر؟ الذي يخلق أم الذي لا يخلق؟

لذلك يقول الله في هذه القضية: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) [3] .

والمقصود الأول من الآية هو لفت النظر إلى أن الآلهة المزعومة التي كان العرب يعبدونها في الجاهلية لا تستحق العبادة لأنها لا تخلق، كما جاء في آية تالية: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) [4] .

ولكن معنى الآية ينطبق على كل مدع للألوهية، وكل من اتخذه الناس ربًا من دون الله. والأمران ينطبقان على مدعي حق التشريع من دون الله، فهو يجعل من نفسه ندًا لله. الله يقول: هذا حرام فيقول هو: هذا حلال! والله يقول: هذا حلال فيقول هو: هذا حرام! والذين يتبعونه في التحليل والتحريم من دون الله قد اتخذوه ندًا لله، كما قال تعالى في حق اليهود والنصارى:

(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ .. ) [5] .

ولما اعترض عدي بن حاتم لجهله لمفهوم العبادة، وقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما عبدوهم! قال له عليه الصلاة والسلام مبينًا حقيقة الأمر: ألم يحلوا لهم الحرام ويحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم؟ فتلك عبادتهم إياهم [6] !

ذلك هو الرباط الأول الذي يربط قضية التشريع ربطًا مباشرًا بقضية الألوهية: أن حق التشريع هو لمن يخلق، وليس للذي لا قدرة له على الخلق، صنمًا كان أو بشرًا، حاكمًا كان، أو محكومًا، فكلهم ينطبق عليه قوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [7] .

أما الرباط الآخر فمتعلق بصفات أخرى من صفات الله سبحانه وتعالى إلى جانب أنه"الخالق"، وهي أنه"اللطيف الخبير"و"الحكيم العليم".

(1) الحديد: 25.

(2) الأعراف: 54.

(3) النحل: 17.

(4) النحل: 20.

(5) التوبة: 31.

(6) أخرجه الترمذي.

(7) الحج: 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت