الصفحة 51 من 105

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [1] .

وهي -من جهة أخرى- محل الابتلاء الذي خلق الإنسان من أجله:

(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [2] .

ومع ضرورتها للإنسان في حركته لتعمير الأرض، ولزومها للابتلاء الذي قدره الله للإنسان، فإن الله يعلم أن الانجراف معها بلا ضوابط عملية مدمرة لكيان الإنسان، تهبط به إلى مكانة أضل من الحيوان، وتبدد حياته سدى .. فلا بد لها من ضوابط.

والضوابط هي الأخلاق ..

وقد زعمت الجاهلية المعاصرة -متأثرة بفرويد مرة، ودوركايم مرة، وماركس مرة [3] - أن الأخلاق أمر مفتعل، ليس في فطرة الإنسان، وإنما هي مفروضة عليه من الخارج، وهي أقرب أن تكون قيدًا ثقيلًا من أن تكون أداة نافعة للإنسان، وأنها ذات معايير متقلبة لا تثبت على حال .. بل لا ينبغي لها الثبات!

والحقيقة أن الإنسان كائن أخلاقي بطبعه .. بحكم فطرته التي فطر عليها:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [4] .

فالإنسان كائن مزدوج الطبيعة، له طريقان لا طريق واحد كالحيوان. وقد أُلْهِم التمييز بين الطريقين، كما أعطى القدرة على اختيار واحد منهما .. ومن ثم أصبحت لأعماله قيمة أخلاقية مصاحبة لها لا تنفك عنها، لأن كل تصرف للإنسان هو خيار بين طريقين، أحدهما طريق التقوى والآخر طريق الفجور ..

إننا لا نقول عن الحيوان إنه كائن أخلاقي، لأن له طريقًا واحدًا لا يملك أن يحيد عنه، هو طريق الغريزة، فحين يلبي دافع الغريزة لا نقول عن عمله إنه خيّر أو شرير، لأنه لا خيار له فيه. أما الإنسان -الذي منح القدرة على التمييز، والقدرة على الاختيار، فإننا نصف كل عمل من أعماله بأحد الوصفين لا محالة: إما خيّر وإما شرير .. وتلك هي القيمة الأخلاقية اللاصقة بأعماله، والتي لا تنفك عنها ..

ليست القضية هي كون أعمال الإنسان ذات قيمة أخلاقية، أم ليس لها قيمة أخلاقية، كما تحاول الجاهلية المعاصرة أن تشكك فيها .. إنما القضية هي المعايير .. من الذي يحدد إن كان عمل بعينه خيّرًا أو شرًّا؟! من الذي يقول: هذا حسن وهذا قبيح. هذا مباح وهذا غير مباح. هذا حلال وهذا حرام؟

تلك هي القضية في حقيقتها .. وهي قضية منذ منشئها مرتبطة بالإله المعبود: أهو الله أم غير الله؟

فإذا كان الله هو المعبود، فالمعايير التي يجب العمل بها هي المعايير الربانية، أما إن كان المعبود غير الله -معه أو من دونه- فالمعايير تضعها الآلهة المعبودة من دون الله، سواء كانت هي"العقل الجمعي"كما يقول دركايم، أو الأوضاع المادية كما يقول ماركس! أو"المصلحة"كما يقول البراجماتيون .. وهي في جميع الحالات من صنع الشيطان في النهاية، فإن العبادة نوعان اثنان في الحقيقة، إما عبادة الله وإما عبادة الشيطان:

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [5] .

ومن هنا تتصل الأخلاق بلا إله إلا الله ..

فالإله الذي لا إله غيره .. الخالق، الرازق، المهيمن، العزيز الجبار المتكبر .. هو الذي له الأمر، وهو الذي يحق له، بحكم أنه الخالق، أن يقول: حلال وحرام. حسن وقبيح. مباح وغير مباح ..

(1) هود: 61.

(2) الكهف: 7.

(3) راجع إن شئت كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

(4) الشمس: 7 - 10.

(5) يس: 60 - 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت