الصفحة 52 من 105

كما أنه -بحكم أنه العليم الخبير- هو الذي يحدد ما هو خير وما هو شر، ومن ثم فهو الذي يحدد معايير الأخلاق، بالضبط كما يحدد تعالم الشريعة سواء بسواء، فالمصدر في الحالين واحد، والاعتبارات في الحالين واحدة.

فإذا نظرنا في المنهج التربوي الإسلامي، الذي يترجم تلك الأخلاق إلى واقع سلوكي، وجدنا أن المعايير الربانية التي يعلم الله أنها هي التي تنشئ"الإنسان الصالح"فردًا وجماعة وأمة، تنبثق في حياة المؤمن من"الميثاق"الذي يعقده المؤمن مع الله، حين يشهد أن لا إله إلا الله، والذي يشتمل على كلمتين رئيسيتين:"سمعنا وأطعنا".

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [1] .

(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [2] .

سمعنا وأطعنا .. ذلك هو الميثاق .. وهو أوثق رباط!

ولقد بحثت الجاهلية المعاصرة -حين أزاحت الدين تدريجيًا من حياتها- عن رباط تربط به قضية الأخلاق، فجعلته العقد الاجتماعي مرة، والطبيعة البشرية مرة، والمصلحة مرة ..

وفي النهاية سقطت الروابط المصطنعة .. وتفككت الأخلاق!

إنه لا رباط إلا ذلك الرباط .. الميثاق مع الله. هذا هو الذي يحدد المعايير الصحيحة أولًا، ويوثّقها ثانيًا بحيث تبقى متماسكة في وجه الضغوط التي تحلل الأخلاق، سواء كانت ضغوطًا داخلية من دفع الشهوات، أو خارجية من فعل الطواغيت التي تتأله في حياة الناس بدلًا من الله .. طواغيت السياسة، أو طواغيت الاقتصاد، أو طواغيت الفكر، أو طواغيت الأعراف الفاسدة التي تملأ كل جاهلية ..

والمنهج القرآني يشدد الوثاق بين الأخلاق وبين لا إله إلا الله ..

انظر إلى هذه الآية الكريمة من سورة لقمان:

(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [3] .

فالوصية هي وصية بالوالدين، لإحسان معاملتهما، والأم خاصة بما تحملت من وهن مُوهِن في الحمل والولادة والرضاعة والتربية .. ولكن كيف ينفذ الإنسان الوصية؟ كيف يشكر والديه على ما تحملا وما أعطيا .. بشكر الله أولًا!! أي بالرجوع إلى أصل الميثاق!

الميثاق ميثاق مع الله بالسمع والطاعة له، وتحته تندرج كل العلاقات التي تربطها الأخلاق.

(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ .. ) [4] .

وكل صلة أمر الله بها أن توصل داخلة في هذا الميثاق، بدءًا بالصلة بالله سبحانه وتعالى: صلة العبادة الخالصة البريئة من الشرك [5] ، ثم الصلة بالوالدين:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [6] .

ثم الصلة بأولى القربى، ومَنْ بعدهم ..

(1) البقرة: 285.

(2) المائدة: 7.

(3) لقمان: 14.

(4) الرعد: 20 - 21.

(5) انظر"المقتضى التعبدي"و"المقتضى التشريعي"وقد مرا من قبل.

(6) الإسراء: 23 - 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت