الصفحة 70 من 105

إنها لم تقف عند لحظة الهبوط تعرضها عرضًا مفصلًا كما يفعل كتاب"الإثارة"بحجة الفن! ولم تعرضها العرض الذي يثير الإعجاب بفاعلها، كما يفعل قصاصو الجنس"ببطل!"القصة و"بطلتها!" [1] ، ثم إن"اللقطة الأخيرة"في القصة لم تكن لحظة الهبوط، إنما كانت لحظة الإفاقة والعودة إلى الله:

(قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [2] .

كذلك يلتزم الأديب المسلم بالتصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان .. وهو -كما قلت في كتاب"منهج الفن الإسلامي"-تصور واسع شامل عميق، يملأ الوجدان البشري بالحق، فإذا عبر عنه تعبيرًا جميلًا، فهذا هو الفن الحقيقي الجدير بأن يكون فنًا والجدير بأن يطرد الفن الزائف من الساحة، أو يزيحه من الطريق ..

إنه حين يقوم المسلمون -مَنْ وُهِبَ منهم الموهبة التعبيرية- بأداء"المقتضى التعبيري"للا إله إلا الله، فلن تظهر الفقاقيع التي تملأ الساحة اليوم، من حداثة، أو نحوها، فكلها فقاقيع لا تستحق الحياة، ولكنها وجدت، وانتفشت، بسبب خلو الساحة من الأدب الحقيقي الذي يؤدي مقتضيات لا إله إلا الله، بالأساليب الفنية الجمالية التي يستلزمها الأداء الفني ..

ومع أننا هنا لا نتعرض للبحث المتخصص، فلا بأس من أمثلة سريعة تشير إلى الطريق ..

الفنان الجاهلي يرفع شعار"الفن للفن".. وتحت هذا الشعار يعيث فساداَ في الأرض، ويسانده نقاد من جبلته، وجمهور يبحث أصلًا عن الفساد واللهو، ولا يبحث عن الرفعة والاستقامة، أفسده أولياء الشيطان من اليهود وغير اليهود، وزينوا له الهبوط بدعوى"التحرر"و"الانطلاق"!

والفنان المسلم غايته رفع الناس إلى المستوى اللائق بكرامة"الإنسان"الذي كرمه الله وفضله على كثير ممن خلق ..

وهناك -في الجاهلية المعاصرة خاصة- فنانون"ملتزمون"لا يقبلون شعار"الفن للفن"ويستعيضون عنه بشعار وثني آخر:"الفن للحياة"! أي حياة؟ من الذي يقرر معاييرها ومبادئها؟!

والفنان المسلم لا يقبل شعار"الفن للفن"ولا يقبل كذلك شعار"الفن للحياة"بمفهومه الجاهلي المعاصر ..

إنما الفن -ككل نشاط يقوم به البشر- غايته عبادة الله بالمعنى الواسع الشامل للعبادة، الذي يشمل -فيما يشمل- عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني ..

إن وجود الظلم في الأرض .. بكل أنواعه ومجالاته .. سواء الظلم السياسي، أو الظلم الاجتماعي، أو الظلم الاقتصادي .. الخ، منافٍ للتعاليم الربانية، حيث يقول تعالى في الحديث القدسي:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" [3] .

وعلى رأس أنواع الظلم كلها الشرك بالله، فهو منبع الظلم كله:

(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [4] .

(1) من الكيد المقصود أن يهبط"الفن"بمعنى"البطولة"الذي هو أصلًا من معاني الجهاد لإعلاء كلمة الله حتى يصبح"البطل"و"البطلة"ممثلًا تافهًا، أو راقصة ساقطة، أو مجرمًا من المجرمين!

(2) يوسف: 51 - 53.

(3) أخرجه مسلم.

(4) لقمان: 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت