الصفحة 83 من 105

وإنما الذي كان موجودًا في الأرض هو ما شوهه البشر من دين الله، فلا عجب أن يكون تأخرًا وضعفًا وزراية وانتكاسًا .. ولكن الناس في ذلك الحين لم يكونوا على وعي بما يدور حولهم .. لا هم على وعي بأن ما يحرصون عليه ويتمسكون به ليس هو دين الله الحق، ولا هم على وعي بأن ما يُدْعَوْن إليه هو مخطط أعدائهم للقضاء الأخير عليهم، لا لإحيائهم من الموت الذي كان وشيكًا أن يلحق بهم ..

وسواء كان الدعاة الأوائل إلى التغريب مخلصين في دعوتهم أو غير مخلصين [1] ، فقد كانت النتيجة العملية واحدة، ذلك أن العميل المستَغْفَل يؤدي للأعداء ذات الخدمة التي يؤديها العميل المأجور، إن لم يكن أخطر في الواقع من العميل المأجور، لأن الناس يخدعون بطيبته الظاهرة، فيظنون أن الدعوة التي يدعوهم إليها هي طريق الخلاص.

دعا الدعاة إلى التغيير الشامل في كل شيء .. العادات والتقاليد والأفكار والنظم، والصورة والمضمون!

وفي بدء الأمر لم يكونوا يجرءون بطبيعة الحال أن يهاجموا الإسلام جهرة -ولو كانوا عملاء مأجورين، لأن الجماهير المستمسكة ببقايا الدين كان يمكن أن تفتك بهم حين ترى منهم هجومًا صريحًا على الدين.

أما مهاجمة"التقاليد البالية"فأمر ممكن .. وكذلك مهاجمة التخلف والرجعية والجهل والمرض .. وربط ذلك كله بجمود"رجال الدين"!

هكذا كانت نقطة البدء .. ولكنها لم تكن إلا نقطة بدء! أما ما بعد ذلك فقد وصل الأمر إلى الهجوم العلني، وإلى الهجوم المقذع في بعض الأحيان [2] !

قامت الدعوة إلى"تحرير المرأة"بمعنى السفور وخلع الحجاب، والدعوة إلى إلغاء الشريعة، وحصرها -على الأكثر- في قانون الأحوال الشخصية، والدعوة إلى إلغاء التعليم الديني أو تقليصه في أضيق الحدود، والدعوة إلى إقرار الربا أساسًا لإدارة العمليات الاقتصادية، والدعوة إلى تغيير الزي سواء للرجال أو النساء .. والدعوة عمومًا إلى إلغاء كل مظهر من مظاهر الحياة الإسلامية واتخاذ كل مظهر من مظاهر الحياة الغربية .. بدعوى التقدم والتحضر والقضاء على التخلف ..

أما كل"مظهر"من مظاهر الحياة الإسلامية فقد سهّل الأمر على الدعاة إلى تغييره أنه كان في أغلب الأحوال"مظهرًا"فحسب، دون مادة حقيقية صلبة وراء ذلك المظهر تحميه من السقوط! وأما كل"مظهر"من مظاهر الحياة الغربية فقد سهّل الأمر على الداعين إليه أنه مجرد تقليد، وليس صبغة حقيقية .. وما أسهل التقليد!

لا الذي قضوا عليه كان حقيقة الإسلام، ولا الذي مارسوه كان حقيقة ما عند الغرب!

(1) لم يكونوا كلهم عملاء مأجورين -سواء كان الأجر مالًا أو شهرة أو منصبًا أو شهوات دنسة -وإنما كان بعضهم مخلصًا بمعنى أنه يظن حقيقة أنه يخدم بلاده ويخدم إسلامه بهذه الدعوات، ولكنهم -جميعًا- كانوا منهزمين روحيًا أمام التفوق المادي الغربي، فأرادوا إخضاع الإسلام لمفاهيم الغرب ..

(2) في أوائل الستينيات الميلادية نشر صلاح جاهين في صحيفة الأهرام المصرية رسمًا"كاريكاتوريًا"يشتمل على رجل بدوي يركب حمارًا في وضع مقلوب أي وجهه إلى الخلف رمزًا للرجعية! وفي أسفل الصورة ديك وتسع دجاجات وعنوان الرسم"محمد أفندي زوج التسعة"والتعريض برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزوجاته واضح .. ومع هذا التوقح البشع فقد مر الأمر سهلًا في حماية النظام القائم يومئذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت