لقد كان عند الغرب فساد كبير في كثير من مجالات الحياة، ولكن كان عندهم على الأقل تقدم علمي وتكنولوجي وتنظيمي، وجلد على العمل، ومثابرة طويلة النفس للوصول إلى الغاية المطلوبة .. فهل تعلم أولئك الدعاة شيئًا من ذلك أو كانوا قادرين على تعلمه؟ وهل كانوا من باب أولى قادرين على تعليمه للآخرين؟ .. إنما الذي تعلمه هؤلاء وعلموه للناس كان قشورًا من كل شيء نافع .. أما الفساد فكله بلا تحفظ ولا تباطؤ .. وبإتقان!
ألا ما أتفه العبيد! وما أصغر هممهم! وما أضيع"النهضة"التي قاموا بها ليعالجوا أمراض العالم الإسلامي .. !
لقد كان الأمر في حاجة إلى بعث إسلامي جديد، يجدد للناس أمر دينهم، ويردهم إلى الجادة التي تركوها أو ضلوا عنها .. ولكن الموجودين في الساحة يومئذ -إلا من رحم ربك- لم يكونوا قادرين على ذلك، فهم إما"متدينون"على الصورة التي وصفناها من الانحراف عن حقيقة لا إله إلا الله ومقتضياتها، وإما منسلخون من الدين، منجرفون في تيار التغريب، يركضون ركضًا إلى حيث يبتلعهم الضياع .. (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [1] !
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [2] .
استخدمت في عملية التغريب كل الوسائل الممكنة: مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، وخاصة الصحافة، ثم المسرح والسينما، و"المرأة المتحررة"، والشواطئ العارية، والمدارس التنصيرية، واستقدام"الفرق"التمثيلية، والغنائية، والراقصة .. وترجمة الآداب الغربية، ونشر الفكر الدارويني"التطوري"، والدعوة إلى الاختلاط، والدعوة إلى القومية والوطنية بدلًا من الاجتماع تحت راية الإسلام، و ...
وفي خلال قرن واحد لم تعد تستطيع أن تميز بين المسلم وغير المسلم في شيء من مظهره ولا مخبره .. إلا في شيء واحد: أن"الخواجات"أصلاء في فنهم، و"المسلمون!"مقلدون!
وإذا كان محور حديثنا في هذه العجالة هو لا إله إلا الله ومقتضياتها، فقد ذكرنا من قبل أن مقتضيات لا إله إلا الله كانت قد انحسرت في نفوس المسلمين انحسارًا شديدًا في الفترة الأخيرة، وتحولت إلى تقاليد خاوية من الروح، ولكن كان قد بقي على الرغم من ذلك الانحسار كله حاجز أخير وقفت عنده الأمة الإسلامية مدة طويلة، هو التحاكم إلى شريعة الله، وإقامة الصلاة .. وقلنا: إن هذا هو الذي جاء الأعداء؛ ليمحوه من حياة المسلمين، لكي يقضوا القضاء الأخير على الإسلام، ثم لا تقوم له قائمة بعد ذلك في الأرض ..
فأما الشريعة فقد اتخذوا لها الوسائل الكفيلة في نظرهم بالقضاء عليها.
فقد أحدثوا بادئ ذي بدء واقعًا عمليًا لا تحكمه الشريعة .. إذ ألغوا المحاكم التي تحكم بالشريعة في الأحوال المدنية والأحوال الجنائية .. ولم يبقوا إلا محاكم الأحوال الشخصية، وأطلقوا عليها وحدها اسم"المحاكم الشرعية"واستحدثوا محاكم بديلة تحكم في الأحوال المدنية والأحوال الجنائية بالقانون الوضعي، وفرض هذا على الناس فرضًا بقوة الاحتلال العسكري الصليبي. ولم يكتفوا بذلك، بل كتموا صوت الاحتجاج من ناحية، وأفهموا الناس من ناحية أخرى أن هذا هو"التقدم"الذي يجعلنا"مثل أوربا"! وهل يتطلع المهزومون -روحيًا وعسكريًا- إلى أبعد من أن يكونوا"مثل أوربا"في شيء من الأشياء؟! ثم راحوا من جهة ثالثة يتهمون الشريعة بالقصور والتخلف، والجمود عن ملاحقة"تطورات العصر"!
(1) الأعراف: 30.
(2) الكهف: 103 - 104.