الصفحة 95 من 105

كل الناس في القرية الواحدة مسموح لهم أن تكون لهم ولاءاتهم الخاصة وسماتهم الخاصة .. إلا المسلمين! هؤلاء مطلوب منهم أن يذوبوا في الكيان العام، وأن يعطوا مودتهم لكل الناس .. حتى الذين يقتّلونهم ويبقرون بطونهم ويمثلون بجثثهم ويهتكون أعراضهم .. وإلا فهم متعصبون!

والمستضعفون، المنهزمون في أعماق نفوسهم، الذائبون في مذلتهم، يتنادون: لا يطّلعنّ أحد على بادرة تعصب في تصرفاتكم، أو أفكاركم أو حتى مشاعركم! عيب! الناس أصبحوا كسكان قرية واحدة! إياكم أن تشذوا أنتم فتتهموا بالتعصب! والإسلام دين التسامح! فاعرضوا على العالم صفحة التسامح الإسلامي، لعلهم يرضون عن الإسلام!

(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [1] .

(وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [2] .

الإسلام دين التسامح نعم! ولكنه ليس دين المذلة ..

الإسلام هو الدين الوحيد في تاريخ البشرية الذي أكرم أتباع الأديان الأخرى ولم يضطهدهم بسبب دينهم! وحين دخل أبو عبيدة الشام قال له أهلها وهم يومئذ نصارى: أنتم ولستم على ديننا أرأف بنا من أهل ديننا! [3] وحين اضطهدت أوربا النصرانية اليهود وطاردتهم لم يجدوا مأوى لهم إلا الأندلس الإسلامية، ولما سقطت الأندلس رحل اليهود مع المسلمين فراراَ من اضطهاد النصارى، ثم آوتهم الدولة العثمانية فانتقلوا إلى سلانيك .. وهناك عاشوا حتى ردوا الجميل للدولة العثمانية بإزالة الدولة التي آوتهم وتخريبها وتمزيقها والقضاء عليها وعلى دينها!!

الإسلام دين التسامح نعم .. ولكن في عزة المستعلى بالإيمان، المعتز بأنه هو الذي يعرف طريق الهدى ويتبعه على استقامة ولا يتبع طريق التائهين والضائعين ..

والإسلام يحسن معاملة الذين لم يدخلوا فيه، ولكن بشرط ألا يكونوا معتدين:

(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [4] .

والمسلمون اليوم مستضعفون، يتخطفهم الناس في أرجاء الأرض فلا يملكون أن يردوا عن أنفسهم .. وقد أباح الله لهم في حالة الاستضعاف ألا يظهروا العداوة لأعدائهم .. ولكنه لم يبح لهم قط أن يوالوهم .. فعدم إظهار العداوة شيء، والموالاة شيء آخر .. الموالاة التي تشمل مودة القلب، والتناصر، والمحبة .. هذه لا تكون إلا بين المؤمنين بعضهم وبعض .. (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ) [5] .

نعم، يحذركم الله نفسه، وهو المطلع على دخائل نفوسكم، وعلى مداخل الشيطان إليها، أن يدخل إليكم من باب الاستضعاف والخوف، فيقول لكم: لا عليكم أن توالوا الكفار؛ لتأمنوهم وتصرفوا شرهم عنكم!

كلا! لا ولاء! حتى في الاستضعاف لا ولاء! إنما هو فقط عدم إظهار العداوة لهم، وعدم استفزازهم للاعتداء عليكم وأنتم لا تستطيعون رد بأسهم ..

(1) البقرة: 120.

(2) البقرة: 217.

(3) انظر ت. و. أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن وزميليه، طبع القاهرة، ص53.

(4) الممتحنة: 8 - 9.

(5) آل عمران: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت