هذه العقيدة هي روح ذلك النظام الذي أسس بنيانه الأنبياء عليهم السلام ومناط أمره وقطبه الذي تدور رحاه حوله وهذا هو الأساس الذي ارتكزت عليه دعامة النظرية السياسية في الإسلام أن تنزع جميع سلطات ( Powers) الأمر والتشريع من أيدي البشر منفردين ومجتمعين ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره في بشر مثله فيطيعوه، أو ليس قانونًا لهم فينقادوا له ويتبعوه فإن ذلك أمر مختص بالله وحده لا يشاركه فيه أحد غيره، كما قال هو في كتابه:
"إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" (يوسف: 40) .
"يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ" (آل عمران: 154) .
"وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ" (النحل: 166) .
"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (المائدة: 45) .
فهذه الآيات تصرح أن الحاكمية ( Sovereignty) لله وحده وبيده التشريع وليس لأحد -وإن كان نبيًا- أن يأمر وينهى من غير أن يكون له سلطان من الله. والنبي أيضًا لا يتبع إلا ما يوحى إليه:
"إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ".
وما وجب على الناس طاعة النبي إلا لأنه لا يأتيهم إلا بالأحكام الإلهية.
قال الله عز وجل:
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ" (النساء: 64) .
"أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ" (الأنعام: 89) .
"مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ" (آل عمران: 79) .
فالخصائص الأولية للدولة ( state) الإسلامية، كما يظهر من الآيات التي ذكرناها، ثلاث:
1 -ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية فإن الحاكم الحقيقي هو الله والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم.
2 -ليس لأحد من دون الله شيء من أمر التشريع والمسلمون جميعًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونًا ولا يقدرون أن يغيروا شيئًا مما شرع الله لهم.
3 -إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون المشرع الذي جاء به النبي من عند ربه مهما تغيرت الظروف والأحوال والحكومات ( Governement) التي بيدها زمام هذه الدولة ( state) لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث أنها تحكم بما أنزل الله وتنفذ أمره تعالى في خلقه.