يعلم كل منا ولو علمًا إجماليًا أن الإسلام إنما هو المهمة التي قام بها الرسل عليهم السلام، ولم تكن رسالة خاصة بالنبي الأمي العربي صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت مهمة جميع الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه منذ أقدم عصور التاريخ الإنساني، كلهم يدعون الناس إلى الإسلام، إلى توحيد الله عز وجل وإلى عبادته وحده، هذا ما يعرفه الناس إجماليًا، كما قلنا آنفًا.
ولكن يجمل بنا في هذا المقام أن نكشف قناع الإجمال عن وجه المسألة ونسبر غورها، حتى نعرف ما كان يريده الأنبياء دعاة الإسلام بتوحيد الإله، وما معنى عبادة الواحد الأحد وحده؟ وماذا كان وراء قولهم:"ما لَكُم من إله غيره"؟ وما بال من مضوا من الأمم كلما جاءهم رسول من عند الله يدعوهم إلى عبادة الله الواحد واجتناب الطاغوت، انقضوا عليه، وكادوا يكونون عليه لِبدا؟ فإن كان الأنبياء قد أرادوا بقولهم لهم:"اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ"أن يسجدوا لله الواحد في معابدهم، وأن يكونوا أحرارًا في شؤونهم وأمور مملكتهم إذا خرجوا من المعابد، يفعلون ما يشاؤون ويطيعون من يريدون من الملوك والممالك، فإن كانوا قد أرادوا ذلك -كما يظن الناس اليوم- فما بال الحكومات وولاتهم؟ أتراهم قد أصيبوا في عقولهم أن يمنعوا رعاياهم الوفية المطيعة عن إتيان هذه الفروض والمناسك، ويتدخلوا في أداء مثل هاتيك الشعائر التي لا تضر بمصالحهم؟ فعلينا الآن أن نكتشف السبب الحقيقي الذي قام لأجله النزاع بين رسل الله الأكرمين والأمم الطاغية في أمر الله تعالى شأنه وتباركت أسماؤه، فإن الحقيقة لا تنجلي بمظهرها التام إلا بعد إماطة اللثام عن وجه هذه المسألة.
إن القرآن قد بيّن في مواضع كثيرة أن الكفار والمشركين الذين كانوا في نزاع مستمر مع الأنبياء لم يكونوا من المنكرين لوجود الله، بل كانوا يعترفون له بخلق السماوات والأرض وبخلق أنفسهم، وبأنه هو الذي يدبر الأمور، وهو الذي ينزل الغيث ويرسل الرياح بُشرى بين يدي رحمته، وبيده الشمس والقمر، وبيده السماوات والأرض ومن فيهن كما قال الله عز وجل:
"قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ" (المؤمنون: الآيات: 84 - 89)
وقال تعالى:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ". (العنكبوت: الآيات 61، 63) .
وقال تعالى:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ". (الزخرف الآية 86)
يتبين من هذه الآيات أنه لم يكن بينهم خلاف في وجود الله وفي أنه خلق الخلق وبيده ملكوت كل شيء، فمن الظاهر أن الرسل ما جاؤوهم ليدعوهم إلى تلك العقيدة التي كانوا يعتقدونها ويعترفون بها، فلم كانت بعثتهم؟ وعلى أي شيء قام النزاع بينهم وبين من أرسلوا إليهم من الأمم؟