هذا، والأمر الثاني يبدو لمن أنعم النظر في دستور الدولة الإسلامية وغايته الحكيمة ووضعيته الإصلاحية، هو أن هذه الدولة لا يتولى أمرها إلا الذين آمنوا بهذا الدستور، وجعلوه غاية حياتهم ومطمح أنظارهم، الذين لم يخضعوا لبرنامجه الإصلاحي ولم يظهروا تأييدهم لخطته العملية فحسب، بل كان الإيمان بصدق تعاليمه قد تغلغل في عروقهم وكانوا على معرفة تامة بروحه وطبيعته وما يشتمل عليه من التفاصيل والجزئيات، وما اتخذ الإسلام في ذلك حدودًا وقيودًا جغرافية أو لسانية أو عنصرية، وإنما يعرض دستوره على الناس كافة، ويبين لهم غايته وبرنامجه الإصلاحي، فمن قبله منهم أيًا كان وإلى أي نسل أو إلى أية أرض أو أمة ينتمي فهو يصلح أن يكون عضوًا في الحزب الذي أسس بنيانه لتسيير دفة هذه الدولة. وأما من لم يقبله فلا يسمح له بالتدخل في شئون الدولة أبدًا وله أن يعيش في حدود الدولة كأهل الذمة ( Subiect) متمتعًا بحقوق عادلة مبينة في الشريعة لأمثاله، وكذلك تكون له عصمة من قبل الإسلام حاصلة في نفسه وماله وشرفه، ولكن لا يكون له حظ في الحكومة في حال من الأحوال، لأن الدولة دولة حزب خاص مؤمن بعقيدة خاصة وفكرة مختصة به، وههنا أيضًا نوع من المماثلة بين الدولة الإسلامية والدولة الشيوعية، ولكن الدولة الإسلامية بريئة كل البراءة مما تأتي به الدول الشيوعية من أعمال مخزية ضد الذين لا يوافقون على نظرياتها، فلا يوجد في الإسلام ما يوجد في الدولة الشيوعية من تسليط آرائها الاجتماعية ومناهجها العمرانية على الناس قهرًا بعد التغلب والتمكن في الأرض، واستصفاء أموالهم وسفك دمائهم وتعذيبهم بعذاب من النار والحديد، أو أن يؤتى بمئات الألوف من الناس فيرمى بهم إلى سيبيريا جهنم المعمورة الأرضية. وبالجملة، كل ما أعطى الإسلام أهل الذمة من الحقوق والامتيازات في دولته، وما خط في هذا الشأن من خطوط بين الحق والباطل والعدل والظلم، كل من رآها واطلع على محاسنها تبين له ما يكون من التفاوت العظيم بين المصلحين الإلهيين وبين الدجالين منهم، في أعمالهم وبرامج إصلاحهم.