الصفحة 16 من 27

وإني أضرب لك مثلًا الحياة الاقتصادية، فإن الله تعالى قد ذكر لها في كتابه حدودًا، وهي إثبات حق الملكية الفردية والأمر بأداء الزكاة، وتحريم الربا، والميسر، والاحتكار وقانون الارث، وتققيد جمع المال وإنفاقه بقيود معلومة، فإن راعى الإنسان هذه الحدود وحافظ عليها، وسير حياته الاقتصادية في ضمن دائرتها بقيت حريته الشخصية ( Personal Liberty) سالمة غير ضائعة ولا مسلوبة، هذا من جانب، وفي جانب آخر لا تتولد من تسلط طبقة على أخرى تلك الحال الشنيعة التي مبدؤها الرأسمالية Capitalism الغاشمة ومنتهاها سيطرة ديكتاتورية العمال.

وكذلك ننظر إلى الحياة المنزلية ( Family Life) فإنها إن ترك فيها حبل المرأة على غاربها أصبحت الدار ملأى بالجور والظلم، وجعلت الشياطين تبيض فيها وتفرخ، ولكن الله قيدها بالحجاب الشرعي وقوامية الرجل، وبيّن حقوق الرجل والمرأة والأولاد وأحكام الطلاق والخلع، وحكم تعدّد الزوجات تحت شروط، وحدومد الزنا والقذف. وبيْن الله كل ذلك ليحد حياة البيت بحدود حكيمة ملائمة للفطرة البشرية، إن تمسك بها الإنسان وعمل بها وجعل نظام الأسرة قائمًا في ضمن هذه القيود والحدود أصبح البيت جنة فيها هناء وسرور، ولن يتدفق فيها سيل حرية النساء الشيطانية التي تهدد اليوم الأمن والسلام العالمي، وتنذر المدنية الإنسانية بالانقضاء.

كذلك قد بين الله في كتابه حدودًا للتمدن الإنساني وحياة البشر الاجتماعية كالقصاص في القتل وقطع اليد في السرقة وحرمة الخمر وحدود الستر لعورة وغيرهما من الأصول الثابتة الراسخة، وذلك ليوصد باب الشر والفساد إيصادًا كاملًا إلى الأبد.

ومن دواعي الأسف أني لا أجد متسعًا من الوقت لأفصِّل القول في حدود الله وألقي عليكم بيانًا جامعًا. يعلم منه ما لكل حدّ من حدود الله من أهمية عظيمة وتأثير كبير في إقامة الحياة الإنسانية على الحق والنّصفة. ولكن الذي أريد أن أبيّن لكم الآن ولو إجمالًا. أن الله سبحانه قد رزق الإنسان بهذه الحدود نظامًا مستقلًا ودستورًا Constitution جامعًا لا يقبل من التبديل والتغيير شيئًا، ولا يسلب الإنسان حريته، ولا يعطل قواه الفكرية والعقلية، بل ينهج للنوع البشري طريقًا مستبينًا، وصراطًا مستقيمًا، لئلا يضل فيقع في مهاوي الحياة لجهله وضعفه المفطور عليه، ولئلا يضيع قوته وسعيه في طريق الباطل، وليسلك سبيل الفلاح الحقيقي سلوكًا مستقيمًا غير ضال ولا زال، فمثله كمثل الطرق في الجبل، فإن اتفق لك أن تصعد في الجبل، رأيت طرقًا محفوفة بالمخاطر، ففي جانب هوّة عميقة وفي جانب آخر صخور شماء عالية، وكذلك رأيت حوالي هذه الطرق أسلاكًا منصوبة من الحديد، وذلك لئلا يسقط المسافر من الهوّة، فهل لقائل أن يقول إن الأسلاك الحديدية نصبت لوضع العقبات في سبيل حرية ركب المسافرين؟ لا، إنما أقيمت ليسلموا من المهالك، ولا يقعوا في المخاطر، نصبت لتهديهم في مواطن زلقة، ومواضع خطرة، إلى وجهتهم المستقيمة، حتى يصلوا منازلهم التي قصدوها.

فهذا هو مثل الحدود الإلهية في الإسلام، فهي تعين لسفر الحياة البشرية وجهة الحق الصحيح، وتهدي الناس في كل مفترق للطرق والمنعطفات إلى طريق الأمن والسلام، وتحولهم عن جميع المتجهات المنحرفة إلى متجه قويم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت