الصفحة 21 من 27

كل ما قدمت آنفًا، هو أساس الديموقراطية الإسلامية، وإذا أنعمنا النظر في مبدأ هذه الخلافة العمومية التي جاء بها الإسلام، ووقفنا على تفاصيلها، ظهرت لنا النتائج الآتية:

1 -المجتمع الذي يكون كل عضو منه خليفة لا يتسرب إليه فساد التفريق بين الطبقات، ولا شر الامتيازات التي تأتي من جهة الحياة الاجتماعية"Social Life"والفوارق النسبية، ويكون أفراد هذا المجتمع سواسية، لا يكون لأحد فضل على آخر إلا من جهة المواهب الشخصية، والسجايا الذاتية، وهذه هي الحقيقة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم وأوضحها مرارًا؛ كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في كلامه الجزل البليغ:"ليس لأحد فضل على أحد إلا بدين أو تقوى، الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى" [1] .

ولما دخلت بلاد العرب كلها -بعد فتح مكة- في حوزة الدولة الإسلامية، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعشيرته الذين كانوا يوم ذاك في بلاد العرب بمنزلة البراهمة في الهند:

"يا معشر قريش! إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، أيها الناس: كلكم من آدم وآدم من تراب، لا فخر للأنساب، لا فضل للعربي على العجمي، ولا للعجمي على العربي،"إن أكرمكم عند الله أتقاكم" [2] ."

2 -وفي مثل هذا المجتمع لا تحول عقبات النسل أو الحرفة أو المنزلة في المجتمع بين الفرد أو جماعة من الأفراد وبين مواهبهم الشخصية وتنمية سجاياهم الفردية وملكاتهم المتنوعة المستودعة في نفوسهم، بل لكل فرد من أفراد المجتمع أن يترقى إلى ما شاء الله وإلى ما آتاه الله من استعداد وقوة؛ من غير أن يمنع الآخرين من التقدم والرقي الفطري، وهذا ما نجده في الإسلام إلى درجة ليس وراءها مطمح لناظر، فإن الموالي وأبناءهم قد نصبوا ولاة على الأقاليم وقوادًا للعساكر، وقد اتبع أمرهم رؤساء البيوتات الشريفة، وعاشوا تحت ولايتهم، طائعين غير كارهين، وكذلك كثير ممن كان يخصف النعال أصبحوا أئمة الناس، وكذلك النساجون والبزازون وغيرهم من أصحاب الحرف والمهن، تبوؤوا مناصب الإفتاء والقضاء، وهؤلاء كلهم يعدون اليوم من شيوخ الإسلام والسلف الصالح. وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي" [3] .

(1) المسند لابن حنبل رحمه الله تعالى، ملتقى الأخبار مع نيل الأوطار (جزء 4 ص311) .

(2) الجامع للترمذي -مشكاة المصابيح: باب المفاخرة.

(3) الجامع الصحيح للبخاري -مشكاة المصابيح: باب الإمارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت