الصفحة 14 من 27

ولرجل أن يقف في هذا المقام ويقول إن الإسلام قد قيد الديموقراطية بأنواع من القيود والحدود، فمعناه أن الإسلام قد سلب الإنسان حرية الرأي والفكر، والحال أنكم تزعمون -كما ادعيتم فيما تقدم- أن ألوهية الله الواحد تخول الناس حرية القول والأفكار والقوى البشرية جمعاء. فالجواب: أن الله لم يخص أمر التشريع بذاته ليسلب الناس حريتهم الفطرية، بل خصه بنفسه ضنًا به وصونًا له من اعتداء المعتدين، ولئلا يضل الناس فيسلكوا طرائق قددًا ويقعوا في المهالك.

وهذه الديموقراطية الغربية المموهة التي يتشدقون بها. وبأن فيها حاكمية أو سيادة شعبية ( Popular Sovereignty) ، إذا سبرت غورها وأنعمت النظر في دخائلها علمت أن الذي تتكون منهم لا يسن كلهم القوانين، ولا ينفذونها جميعًا، بل يضطرون إلى تفويض سلطانهم إلى رجال يختارونهم من بينهم ليشرعوا قوانين ينفذونها، ولأجل هذا الغرض يضعون نظامًا للانتخاب خاصًا، ولا ينجح فيه إلا من يغري الناس ويستولي على عقولهم وألبابهم بماله وعلمه ودهائه ورعايته الكاذبة، ثم ينفذون ذلك القانون الجائر على العامة بتلك القوة نفسها التي خولتهم إياها العامة، ثم يصبح هؤلاء الناجحون بأصوات العامة آلهة لهم، يشرعون ما يشاؤون من القوانين لا لمصالح الجمهور بل لمنافعهم الشخصية ومصالح طبقاتهم المخصوصة التي ينتمون إليها، فهذا هو الداء العضال الذي أصيبت به أمريكا وانجلترا وسائر البلاد التي تدعي اليوم بأنها جنة للديمقراطية ومأوى لها.

وبقطع النظر عن هاتيك المفاسد، إن سلمنا أن القوانين تشرع في تلك البلاد عن رضى العامة، فقد أثبتت لنا التجارب أن العامة لا يستطيعون أن يعرفوا مصالحهم، فإن البشر قد خلقهم الله على ضعف فطري كامن في نفوسهم؛ فيرون في أكثر أمور الحياة بعض جانب من الحقيقة. ولا يرون بعضه الآخر، ولا يكون حكمهم ( Judgement) مرتكزًا على نقطة العدل عمومًا، وهم في الغالب يكونون مغلوبين على أمرهم من العواطف والميول فيرفضونها لأجل غلبة العواطف والشهوات على أنفسهم، وعندي لذلك أمثلة كثيرة، ولكن حذرًا من إطالة الكلام، أقتصر على مثال واحد وهو"قانون منع الخمر الأمريكي". ( Prohibition Law) فإن الأمة الأمريكية قد تحقق لها من الوجهتين العقلية والعلمية أن الخمر ضارة بالصحة، ومفسدة للقوى الفكرية، وهدامة لبناء المدنية الإنسانية ... فنظرًا إلى هذه الحقائق واطمئنانًا لصحتها رضي الرأي العام الأمريكي أن يُسن قانون منع الخمر، فقررت الحكومة هذا القانون بآراء العامة وأصواتهم، ولكن لما أنفذته فيهم لم يلبث الذين وضع القانون بآرائهم وأصواتهم أن خرجوا عليه؛ وبدؤوا يعيثون في الأرض فسادًا بتعاطي الخمر، والإبداع في صناعتها على استخفاء، والتفنن في أخبث أنواعها أكثر مما كانوا يتعاطونها من قبل، وكثرت فيهم المنكرات والفواحش إلى حد بالغ. حتى اضطروا إلى أن يقوموا بنقض ما عاهدوا أنفسهم عليه وبتحليل ما كانوا قد حرموه، فعلام أحلت أم الخبائث. أو قد عادت الضارة عندهم نافعة بدليل علمي أو عقلي؟ لا، بل لأن أمارتهم بالسوء قد استولت على نفوسهم، وأسلموا لها قيادهم فكأن كل واحد منهم قد اتخذ إلهه هواه، فأصروا في عبودية إلههم الباطل على نسخ القانون الذي وضعوه بعد ما اعترفوا بصحته اعترافًا عقليًا وعلميًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت