هذا ويحسن بي أن أقول كلمة موجزة في هيئة الدولة الإسلامية وطراز بنائها. فالحاكم الحقيقي في الإسلام إنما هو الله وحده كما تقدم الكلام عليه، فإذا نظرت إلى هذه النظرية الأساسية وبحثت عن موقف الذين يقومون بتنفيذ القانون الإلهي في الأرض؛ تبين لك أنه لا يكون موقفهم إلا كموقف النواب عن الحاكم الحقيقي، فهذا هو موقف أولي الأمر في الإسلام بعينه.
قال تعالى في كتابه العزيز:
"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" (النور: 55) .
فهذه الآية توضح نظرية الدولة"Theory of State"في الإسلام إيضاحًا مبينًا، فإن الله قد بين فيها أمرين عظيمين ونكتتين أساسيتين:
فالنكتة الأولى أن الإسلام يستعمل دائمًا لفظة الخلافة"Vicegerency"بدل لفظة الحاكمية"Sovereignty"وإذا كانت الحاكمية لله خاصة فكل من قام بالحكم في الأرض تحت الدستور الإسلامي يكون خليفة"Viceegerent"الحاكم الأعلى ولا يتولى إلا ما ولاه المستخلف -أي الحاكم الأعلى- من أملاكه وعبيده نيابة عنه.
والنكتة الثانية البديعة في هذه الآية أن الله قد وعد جميع المؤمنين بالاستخلاف؛ ولم يقل أنه يستخلف أحدًا منهم؛ فالظاهر من هذا أن المؤمنين كلهم خلفاء الله، وهذه الخلافة التي أوتيها المؤمنون خلافة عمومية"Popular Vicegerency"لا يستبد بها فرد أو أسرة أو طبقة، بل كل مؤمن خليفة عن الله، وكل واحد مسئول أمام ربه من حيث كونه خليفة كما جاء في الحديث:
"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
وليس أحد منهم بأحط منزلة من آخر مثله في هذا الشأن من أية وجهة كانت.