الصفحة 24 من 27

إذا تأملت بعض ما تقدم لي بيانه فيما سبق من تصور ( Conception) الخلافة العمومية والإحاطة بفروعه وتفاصيله، تبين لك أن منزلة الإمام أو الأمير أو الرئيس في الدولة الإسلامية ليست بأكثر ولا أقل من أن جمهور المسلمين -الخلفاء- قد اختاروا عن أنفسهم رجلًا هو أفضلهم وأتقاهم، وأودعوه ما بيدهم من أمانة الخلافة، وأما تسميته بالخليفة فليس معناه أنه هو الخليفة وحده، بل معناه أن خلافة المسلمين العمومية أصبحت مركزة في ذاته.

وها أنا مفض إليكم بشيء من التفاصيل عن الحكم الإسلامي ولو على وجه الأجمال، لتتجلى لكم منه صورة واضحة وبيد الله التوفيق:

أولًا: إن انتخاب الأمير لا يكون إلا على أساس الآية الشريفة:

"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات: 13) .

أي لا ينتخب للإمارة إلا من كان المسلمون يثقون به وبسيرته وبطباعه وخلقه، فإذا انتخبوه فهو ولي الأمر المطاع في حكمه ولا يعصى له أمر ولا نهي، ويعتمد عليه في تنفيذ الأوامر اعتمادًا كاملًا، ما دام يتبع الشريعة ويحكم بالكتاب والسنة.

ثانيًا: الأمير الإسلامي ليس له فضل على جمهور المسلمين في القانون، وإنما هو رجل من الرجال، يوجه إليه النقد فيما يتراءى للعامة من الأخطاء في سياسته الناس، والزلات في حياته الذاتية فهو يعزل إذا شاءت الأمة، وترفع عليه القضايا في المحاكم، ولا يستحق أن يعامل فيها معاملة يمتاز بها عن غيره من المسلمين.

ثالثًا: الأمير محتوم عليه المشاورة في الأمر. ومجلس الشورى لا بد أن يكون حائزًا ثقة جميع المسلمين، وليس من المحظور الشرعي أن ينتخب هذا المجلس بأصوات ( Voices) المسلمين وآرائهم، وإن لم يكن له نظير في عهد الخلافة الراشدة.

رابعًا: والأمور تقضي في هذا المجلس بكثرة آراء أعضائه في عامة الأحوال، إلا أن الإسلام لا يجعل كثرة العدد ميزانًا للحق والباطل:

"قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ" (المائدة: 100) .

فإنه من الممكن في نظر الإسلام أن يكون الرجل الفرد أصوب رأيًا وأحد بصرًا في مسألة من المسائل من سائر أعضاء المجلس، فإن كان الأمر كذلك، فليس من الحق أن يرمي برأيه لأنه لا يؤيده جمع غفير.

فالأمير له الحق أن يوافق الأقلية أو الأغلبية في رأيها، وكذلك له أن يخالف أعضاء المجلس كلهم ويقضي برأيه، ولكنه من الواجب على جمهور المسلمين أن يراقبوا الأمير وسيرته في رعيته مراقبة شديدة، هل هو يتصرف في الأمور ويحكم فيها على تقوى من الله أم بهوى من نفسه؟ فإن رأوه يتبع الهوى في عمله فلهم أن يعزلوه ويخلعوه عن منصبه.

خامسًا: لا ينتخب للإمارة أو لعضوية مجلس الشورى أو لأي منصب من مناصب المسئولية من يرشح نفسه لذلك أو يسعى فيه سعيًا ما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله أو حرص عليه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت