للدولة الإسلامية القائمة على أساس هذا الدستور غاية ذكرها الله تعالى في كتابه في مواضع عديدة منها قوله:
"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" (الحديد: 25) .
فالمراد من الحديد في الآية هو القوة السياسية [1] . والآية قد بينت ما تبعث الرسل لأجله، وهو أن الله قد أراد ببعثهم أن يقيم في العالم نظام العدالة الاجتماعية ( Social justice) على أساس ما أنزله عليهم من البينات وما أنعم عليهم في كتابه من الميزان أي نظام الحياة الإنسانية العادل. وقال في موضع آخر:
"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ" (الحج: 41) .
وقال:
"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" (آل عمران: 110)
فمن تدبر هذه الآيات اتضح له أن الدولة التي يريدها القرآن ليس لها غاية سلبية ( Negative) فقط بل لها غاية إيجابية ( Positive) أيضًا، أي ليس من مقاصدها المنع من عدوان الناس بعضهم على بعض وحفظ حرية الناس والدفاع عن الدولة فحسب، بل الحق أن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الصالح الذي جاء به كتاب الله. وغايتها في ذلك النهي عن جميع أنواع المنكرات التي ندد بها الله في آياته، واجتثاث شجرة الشر من جذورها، وترويج الخير المرضي عند الله، المبين في كتابه، ففي تحقيق هذا الغرض تستعمل القوة السياسية تارة ويستفاد من منابر الدعوة والتبليغ العام تارة أخرى، ويستخدم لذلك وسائل التربية والتعليم طورًا، ويستعمل لذلك الرأي العام والنفوذ الاجتماعي طورًا آخر، كما تقتضيه الظروف والأحوال.
فمن الظاهر أنه لا يمكن لمثل هذا النوع من الدولة أن تجد دائرة عملها، لأنها دولة شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها وتطبع كل فرع من فروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الاصلاحي الخاص، فليس لأحد أن يقوم في وجهها ويستثني أمرًا من أموره قائلًا إن هذا أمر شخصي خاص لكيلا تتعرض له الدولة. وبالجملة، إن الدولة الإسلامية تحيط بالحياة الإنسانية وبكل فرع من فروع الحضارة وفق نظريتها الخلقية وبرنامجها الاصلاحي. فإذن هي تشبه الحكومات الفاشية والشيوعية بعض الشبه، ولكن مع هذه الهيمنة ( Lotalily) لا يوجد في الدولة الإسلامية تلك الصبغة التي اصطبغت بها الحكومات المهيمنة ( Lotalilarian) والاستبدادية ( Authoritarian) في عصرنا هذا. فلا يوجد في الدولة الإسلامية شيء من سلب الحرية الفردية، ولا أثر للسيطرة (الدكتاتورية) والزعامة المطلقة. فالاعتدال الكامل الذي يوجد في نظام الحكومة الإسلامية، وتلك الخطوط الدقيقة التي خطتها بين الحق والباطل، يشهدان عند أصحاب البصيرة أن مثل هذا النظام الصالح الوسط لا يضعه إلا الله الحكيم الخبير.
(1) أي قوة السلطان الذي يمنع بعض الناس من بعض كما قال الإمام الغزالي (م. الندوي) .