الصفحة 7 من 27

أما الرب فهو بمعنى المربي. ومن المعلوم أن المربي يطاع أمره، فلأجل هذه المناسبة جاء بمعنى المالك والسيد المطاع كما يقال"رب المال"و"رب الدار". فكل ما جعله المرء رازقًا مربيًا، يرتجى منه العطف ويأمل منه الأمن والرقي والجاه، ويخشى أن سخطه يجلب عليه الضرر وينغص الحياة ويحسبه مالكًا وسيدًا يطيعه فيما يأمره به ولا يعصي له أمرًا فهو ربه.

أو بعد ما عرفت من معنى الكلمتين واستأنست بمغزاهما، تحسب أنه يوجد شيء في ما خلق الله من السموات والأرض، يقوم في وجه الإنسان ويقول له ..."إني إلهك وربك فاعبدني"؟ أيدعي ذلك الحجر أو الشجر أو الحيوان أو الشمس أو القمر أو غيرهما من الإجرام النيرات في السماء؟ لا، لا، والله لا يقوم في وجه الإنسان شيء من هذه يدعي الألوهية والربوبية، بل إنما الإنسان وحده هو الذي يبعثه حب السلطة، وهوى الأثرة، على أن يجعل نفسه إلهًا لغيره من أبناء نوعه يستعبدهم وينفذ فيهم أمره، ويقهرهم على الانقياد والطاعة، ويجعلهم آلة لتحقيق هواه، فلم يعرف الإنسان شيئًا ألذّ وأحلى من تأليه نفسه، فكل من نال شيئًا من المال، أو رزق شيئًا من الدهاء والنبوغ، تسول له نفسه أن يستكبر ويتعدى حدوده الفطرية ويرقى عرش الألوهية، ويستعبد كل من حوله من الناس المستضعفين والفقراء الذين لا يجدون للقيام في وجهه سبيلًا.

فالذين يريدون أن يتسنّموا ذروة الألوهية ويتطلعون إليها هم على نوعين ويسلكان في هذا الأمر طريقين مختلفين. فالنوع الأول هو الذي عنده جرأة شديدة، أو يتهيأ له من الوسائل ما يراه كافيًا لتحقيق هواه الكاذب من غير استحياء. ولنضرب لك فرعون مثلًا، الذي اغتر بما آتاه الله من جلال الملك وأبهة السلطان، وبما كان عنده من القوة وعتاد الحرب، فنادى في المصريين:

"أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى"، و"مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي".

وقد بعث الله نبيه موسى إليه وإلى قومه، فدعاه إلى الصراط المستقيم وقال له:

"هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى، فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى".

وطالبه بأن يُخلي سبيل بني إسرائيل ويطلق سراحهم، فأجابه فرعون بقوله:

"لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ".

وكذلك الملك الذي حاج سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام والذي ذكره الله في كتابه، فقال عز من قائل:

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ". (البقرة: 258) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت