فما الذي جعله مبهوتًا؟ ولماذا أخذته الحيرة والدهشة بغتة؟ لأنه لم يكن منكرًا لله، بل كان يعتقد أن الله هو سيد الكون وبيده مقاليد السماوات والأرض وهو الذي بأمره تطلع الشمس وتغرب، فالنزاع لم يكن في أنه: من رب السماوات والأرض؟ ومن بيده ملكوت كل شيء؟ بل كان جداله في: من هو مالك رقاب الناس عامة والذي منهم في بابل خاصة؟ فلم يكن من دعواه أنه هو"الله"بل كان يقول إني رب هذه البلاد وأهلها، ولم يقل بذلك إلا لأنه كان مالكًا لرقاب الناس آخذًا زمام الملك بيده، يتصرف فيه كيف يشاء، ويسوق الشعب بعصا سلطانه حسب ما تملي عليه أهواؤه، وكان يجد في نفسه قدرة على أن يضرب عنق من يشاء ويطلق سراح من يشاء من رعيته، وقد كان يشعر بأن قوله حكم لا مَرَدّ له وأمره نافذ في البلاد لا يعترض دونه معترض، ولا يتعرض له أحد باستنكار. ولأجل ذلك طلب من إبراهيم الخليل أن يعترف له بالربوبية وينقاد لأمره ويعبده كما يعبده الناس. ولكن لما قال له إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه:"إني لا أعرف لي ربًا إلا رب السموات والأرض وهو رب العالمين، ولا أعبد إلا إياه، وهو الذي تعبده الشمس في مطلعها ومغربها"بهت وتحير، وما تحير إلا لأنه لم يدر كيف يساير مثل هذا الرجل في الحجة ويقارعه في الكلام.