الصفحة 9 من 27

فهذه الألوهية التي ادعاها فرعون ونمرود، ليست بقاصرة عليهما، بل تجد الملوك في كل أرض وفي كل زمان ينتحلون تلك الألوهية ويدعونها، فهذه بلاد الفرس كانت تخاطب ملوكها بلفظ"خُدّا"وخُدّاوند"، وكان الناس يقومون لهم بجميع ما يكون من آداب العبودية، والحال أنه لم يكن فيهم من يحسب الملك"خُدّائي خُدّائِكان"يعني الله، ولا كان الملوك أنفسهم يدّعون ذلك، وكذلك ترى البيوتات الحاكمة في الهند كانت تنتمي بنسبها إلى الآلهة"ديوتا"-فهناك أسرتان تعرفان حتى اليوم (سورج بنسي وجندر بنسي) أي ذرية الشمس وذرية القمر. وكان أهل الهند يخاطبون ملوكهم بكلمة"أن داتا"أي الرازق، ويسجدون لهم، والحال أنهم كانوا يرون من ملوكهم أنهم هم"برميشور"أي الملك وكذلك الملوك أنفسهم لم يكونوا يدعون ذلك، وما زال الناس في العصور الغابرة سائرين على هذه الخطة، وكذلك حالهم اليوم في معظم أقطار العالم، فإنه لا يزال الملوك يخاطبون في بعض البلاد بكلمات تماثل كلمتي الإله والرب في المعنى وأما البلاد التي لا تستعمل فيها الألفاظ الصريحة بهذا المعنى، فهناك تجد هذه الروح سارية في النفوس، فإنه ليس من الضروري لهذا النوع من دعوى الألوهية أن ينادي الرجل في الناس بأني:"إلهكم وربكم"لا، بل كل من يملك على الناس قلوبهم وأجسامهم ويتحكم في دمائهم وأموالهم بما يشاء، ويسوقهم بعصا سلطانه المطلق والسيادة المستبدة التي سلطها على الناس فرعون ونمرود لعهدهما، فهو يدعي الألوهية والربوبية حقيقة ومعنى، وإن لم يتفوه بألفاظها، والذين هم يطيعونه وينقادون لأمثاله يسلمون له بالألوهية والربوبية، وإن لم تجر هذه الكلمات على ألسنتهم، وبالجملة إن نوعًا من البشر يدعي الألوهية والربوبية مباشرة من غير استخفاء، وهناك نوع آخر لم يتهيأ له من القوة والوسائل المادية ما يؤهله للقيام بهذه الدعوى الخطيرة، وإخضاع الناس لإرادته، فهم يتسلحون بأسلحة من الشعوذة والدجل يسحرون بها قلوب الناس وألبابهم فيعمدون إلى روح أو آلهة (ديوتا) أو وثن أو قبر أو كوكب أو شجرة فيجعلونها إلهًا وينادون في الناس أن هذا إلهكم وله قدرة أن ينفعكم أو يضركم، وهو يقضي حاجاتكم، وهو وليكم وناصركم، ولئن لم ترضوه ليأخذنكم بأنواع من القحط والمرض والآلام، وإن أرضيتموه وطلبتم منه العفو فهو ينصركم ويأخذ بأيديكم، ولكن لا يعلم طرق إرضائه وجلب عنايته أحد سوانا، فاجعلونا وسيلة للوصول إليه وعظمونا وأرضونا، واجعلوا في أيدينا كل ما تملكونه من النفس والمال والعرض، فكثير من حمقى الناس يقعون في شركهم الذي ينصبونه لهم، وبمثل هذه الصورة، وبواسطة هاتيك الآلهة الكاذبة الباطلة تقوم دعائم ألوهية هؤلاء المشعوذين من سدنة المعابد وخدمهم، ويتحكمون في مقادير الناس بما يشاؤون وتشاء شهواتهم الدنيئة. ومن هذا النوع الأخير رجال يحترفون لهذا الغرض الكهانة والتنجيم واستخراج الفأل وكتابة التعاويذ والرقي. ومنهم من يعترفون بأنهم عباد الله مثل سائر الناس، ولكنهم يرون أنه لا يمكن الوصول إليه، تباركت أسماؤه، مباشرة من دون وساطة، وأنهم هم الذين يُتقرب بهم إلى الله، وأن كل ما يؤدي الناس من آداب العبودية ونسكها، إنما يؤدى بواسطتهم، وكذلك طقوسهم وشعائرهم التي يقومون بها في حياتهم، كمالها بأيديهم وبوسيلتهم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت