الصفحة 22 من 27

3 -وفي مثل هذا المجتمع، لا يكون لرجل أو طائفة أن تستبد بالأمر أو تتسنم عرش الديكتاتورية، لأن كل فرد من أفراد هذا المجتمع خليفة، ولا يجوز لطائفة أو فرد من أفرادها أن ينتزع حق الخلافة من جمهور المسلمين وينصب نفسه مسيطرًا عليهم، والذي يتولى هذا الأمر في الإسلام، منزلته الحقيقية أن جمهور المسلمين أو الخلفاء -إن آثرنا الكلمة الإصلاحية- قد فوضوا خلافتهم إلى رجل منهم وجعلوها مركزة ( Concentrated) في ذاته لتنفيذ الأحكام، وتسيير دفة الأمر بسهولة، وذلك عن رضى منهم. واتفاق كلمتهم، فهو مسئول عند الله في جانب، وبجانب آخر مسئول عند عامة الخلفاء أي المسلمين الذين فوضوا إليه أمر الخلافة. فإن استبد بالأمر ونصب نفسه ديكتاتورًا مطاعًا على الإطلاق، فهو غاصب وليس بخليفة، لأن الديكتاتورية بحقيقتها ضد الخلافة العمومية، ومما لا مجال فيه للريب أن الدولة الإسلامية دولة مهيمنة أو مطلقة ( Totalitarian) ، محيطة بجميع فروع الحياة ونواحيها، ولكن أساس هذه الهيمنة والإحاطة التامة ( Totality) إنما هو القانون الإلهي الجامع الواسع الذي وكل إلى الحاكم المسلم تنفيذه في الناس، فكل ما ورد في الكتاب العزيز من البينات والتعاليم الشاملة لجميع نواحي حياتهم، إنما ينفذ فيها تنفيذًا محيطًا جامعًا، لكن الحاكم المسلم ليس له أن يتخذ خطة التقييد الاجتماعي [1] ( Regimenation) من تلقاء نفسه، معرضًا عن تلك التعاليم والبينات، فلا يجوز له أن يقهر الناس على اختيار حرفة دون أخرى، وكذلك ليس له أن يقهرهم على اكتساب فن دون آخر، أو تعليم أولادهم نوعًا من العلوم دون آخر، فإن الإسلام لم يخول الأمير تلك السلطة المطلقة التي استبد بها الطواغيت المسيطرون ( Dictators) في روسيا وألمانيا وإيطاليا، وتمتع بها واستخدمها"أتاتورك"في تركيا.

وهناك نكتة أخرى مهمة، وهي أن كل فرد من أفراد المسلمين مسئول عند الله بصفته الفردية ( Personal Responsibility) لا يشاركه فيها أحد غيره؛ فلا بد أن يعطى كل فرد حرية تامة في حدود القانون ليختار ما يشاء من خطة، ويستعمل قوته للتبريز فيما تميل إليه نفسه من صناعة، فإن حالت دون ذلك عقبات من قبل الأمير فهو ظلم يعاقب عليه عند الله، ومن أجل ذلك لن تجد أثرًا من أمثال هذا التقييد الاجتماعي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين المهديين.

4 -ومن حق كل فرد في هذا المجتمع سواء كان ذكرًا أو أنثى -إذا كان عاقلًا بالغًا- أن يكون له رأي في مصير الدولة لأنه منعم عليه بنصيبه من الخلافة العمومية، ولم يخص الله تلك الخلافة بشروط خاصة من الكفاءة والثروة، بل هي مشروطة بالإيمان والعمل الصالح فحسب، فالمسلمون سواسية في حق التصويت وإبداء الرأي.

(1) التقييد الاجتماعي: اصطلح عليه في البلاد التي كانت قد استبدت بأمرها الدكتاتورية كألمانيا وإيطاليا ومعناه أن يقيد سكان البلاد أجمعون بقيود وأصفاد من قوانين الحكومة في جميع نواحي حياتهم الاجتماعية والاقتصادية (م. الندوي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت