أَنْزَلَهَا ضَجِيْجًَا، فَمَنْ أَقَدمَ بِالجُرأةِ عَلى مَا لَيْسَ لَهُ بِأهلٍ مِنْ فُتْيَا أَوْ قَضَاءٍ أَوْ تَدرِيْسٍ؛ اِستَحَقَّ اِسمَ الذَّمِّ، وَلَمْ يَحِل قَبُول فُتْيَاهُ، وَلَا قَضَائِهِ، هَذَا حُكُمُ دِيْنِ الْإسلَامِ:
وَإِنْ رَغِمَتْ أُنُوفٌ مِنْ أُنَاسٍ
.فَقُلْ يَا رَبِّ لَا تَرغُمْ سِوَاهَا" [المصدر السابق/41] ."
وَعَنْ عُمَرَ الفَارُوق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَد عَلِمتُ مَنْ يُهلِكُ النَّاسَ، إِذَا جَاءَ الفِقهُ مِنْ قِبَل الصَّغِير استَعصَى عَلِيهِ الكَبِير، وَإِذَا جَاءَ الفِقهُ مِنْ قِبَلِ الكَبِير تَابَعَهُ الصَّغِير فَاهتَدَيَا!
وَقَالَ اِبنُ مَسعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا أَخَذُوا العِلمَ مِن أَكَابِرهم، فَإِذَا أَخَذوهُ عِنْ أَصَاغِرهم وَشِرَارَهُم هَلَكُوا.
وَاختَلفَ العُلمَاءُ فِيمَا أَرَادَ عُمَر بِالصِّغَار؛ فَقَالَ اِبنُ المُبَاركِ: هُمْ أَهلُ البِدَعِ، وَهُوَ مُوَافَق؛ لَأنَّ أَهَلَ البِدَعِ أصَاغِر فِي العِلمِ. وَقَالَ البَاجِيّ: يُحتَمَلُ أنْ يَكونَ الْأصَاغِرُ مَنْ لَا عِلمَ عِنْدَهُ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ عُمَر يَستَشِيرُ الصِّغَار -أَيْ صِغَارَ السِّن-، وَكَانَ القُرَّاءُ أهَلَ مَشُاورَتِهِ كُهُولًَا وَشُبَّانًَا. قَالَ: وَيُحتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالْأصَاغِرِ مَنْ لَا قَدرَ لَهُ وَلَا حَال، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَبْذِ الدِّينِ وَالمُرُوءَةِ [المصدر السابق/43 - 44] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحمَد فِي رِوَايَةٍ المَروَزِيْ: لَيْسَ كُلُّ شَيءٍ يَنبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيْهِ، وَذَكَرَ أَحَادِيثَ النَّبِيِّ -صَلى اللهُ عَلِيهِ وَسلَّمَ- كَانَ يُسألُ فَيَقولُ: لَا أَدرِيْ، حَتَّى أسأَل جِبرِيل.
وَقَالَ المَروَزِي: قُلتُ لِأبِي عَبدِ اللهِ -أَي اِبنُ حَنْبَل-: العَالِمُ يَظُنُّونَهُ عِنْدَهُ عِلمُ كُلِّ شَيءٍ! فَقَالَ: قَالَ اِبنُ مَسعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-: إِنَّ الذَّي يُفتِي النَّاسَ فِيْ كُلِّ مَا يَسْتَفْتُوْنَهُ لَمَجْنُون.