فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 246

إن الإصر الأكبر الذي رفعه الله عن كاهل الأمة المسلمة، والذي حمله الله على عاتق الأمم التي استخلفها الله في الأرض قبلهم فنقضت عهد الاستخلاف وحادت عن الطريق .. الإصر الأكبر هو إصر العبودية للبشر. عبودية العبيد للعبيد ممثلة في تشريع. وفي خضوع العبد للعبيد، لذاته، أو لطبقته أو لجنسه ..

فهذا هو الإصر الأكبر الذي أطلق الله عباده المؤمنين منه فردهم إلى عبادته وحده وطاعته وحده، وتلقى الشريعة منه وحده. وحرر بهذه العبودية لله الواحد الأحد أرواحهم وعقولهم وحياتهم كلها من العبودية للعبيد.

إن العبودية لله وحده - متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منه وحده - هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري، والتحرر من سلطان الجبارين والطغاة ومن سلطان السدنة والكهنة، ومن سلطان الأوهام والخرافات، ومن سلطان العرف والعادة، ومن سلطان الهوى والشهوة. ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوي أعناق البشر ويخفض جباههم لغير الله الواحد القهار.

والفساد الذي يتولاه المعرضون عن حقيقة التوحيد فساد عظيم. وما ينشأ في الأرض الفساد - في الواقع - إلا من الحيرة عن اعتراف القلب السلبي. فهذا الاعتراف لا ينشئ آثاره الواقعية في حياة الناس .. إنما هي الحيرة عن الاعتراف بهذه الحقيقة بكل آثارها التي تلازمها في الواقع، واقع الحياة البشرية .. وأول ما يلازم حقيقة التوحيد أن تتوحد الربوبية فتتوحد العبودية .. لا عبودية إلا لله. ولا طاعة إلا لله. ولا تلقي إلا من عند الله. فليس إلا لله تكون العبودية وليس إلا لله تكون الطاعة. وليس إلا عن الله يكون التلقي .. التلقي التشريعي، والتلقي في القيم والموازين، والتلقي في الآداب والأخلاق، والتلقي في كل ما يتعلق بنظام الحياة البشرية .. وإلا فهو الشرك أو الكفر .. مهما اعترفت الألسنة، ومهما اعترفت القلوب الاعتراف السلبي الذي لا ينشئ آثاره في حياة الناس العامة في الاستسلام والطاعة والاستجابة والقبول.

إن هذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله، إلا أن يكون هناك إله واحد يدبر أمره .. {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} .. وأظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية: تعبيد العبيد، والتشريع لهم في حياتهم، وإقامة الموازين لهم. فمن ادعى لنفسه شيئًا من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية وأقام نفسه للناس إلهًا من دون الله. وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عندما تتعدد الآلهة في الأرض على هذا النحو عندما يتعبد الناس الناس. عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، وأن له فيهم حق التشريع لذاته، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته. فهذا هو ادعاء الألوهية، ولو لم يقل كما قال فرعون {أنا ربكم الأعلى} .. والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به .. وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد.

إن الدعوة إلى عبادة الله وحده هي عدم الإشراك به شيئًا .. لا بشرًا ولا حجرًا .. دعوة إلى ألا يتخذ بعضهم بعضًا من دون الله أربابًا. لا نبيًا ولا رسولًا فكلهم لله عبيد. إنما اصطفاهم الله للتبليغ عنه، لا لمشاركته في الألوهية والربوبية.

إن الله سبحانه يقرر بوضوح حاسم من هم المسلمون .. المسلمون هم الذين يعبدون الله وحده، ويتعبدون لله وحده. ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله .. هذه هي خصيصتهم التي تميزهم من سائر الملل والنحل، وتميز منهج حياتهم من مناهج حياة البشر جميعًا. وإما أن تتحقق هذه الخصيصة فهم مسلمون، وإما أن لا تتحقق فما هم بمسلمين مهما ادعوا أنهم مسلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت