إن هذا الدين له حقيقة مميزة لا يوجد إلا بوجودها .. حقيقة الطاعة لشريعة الله والإتباع لرسول الله، والتحاكم إلى كتاب الله .. وهي الحقيقة المنبثقة من عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. توحيد الألوهية التي لها وحدها الحق في أن تُعَبد الناس لها، وتطوعهم لأمرها، وتنفذ فيهم شرعها، وتضع لهم القيم والموازين التي يتحاكمون إليها ويرتضون حكمها، ومن ثم توحيد القوامة التي تجعل الحاكمية لله وحده في حياة البشر وارتباطاتها جميعًا. كما أن الحاكمية لله وحده في تدبير أمر الكون كله. وما الإنسان إلا قطاع من هذا الكون الكبير.
إن الله لم يترك شيئًا غامضًا. ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر يحكمونه في ما يعرض لهم من مشكلات الحياة .. {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} .. فهل بعد هذا يبتغي إنسان حكمًا غير الله {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} .. إنه سؤال على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستنكار. استنكار أن يبتغي حكمًا غير الله في شأن من الشؤون على الإطلاق. وتقرير لجهة الحاكمية في الأمر كله، وإفرادها بهذا الحق الذي لا جدال فيه. ونفي أن يكون هناك أحد غير الله يجوز أن يتجه إليه طالبًا حكمه في أمر الحياة كله.
لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولتمثل فيه حاكمية الله وألوهيته. ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلًا محتويًا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة. كما أنه تضمن أحكامًا تفصيلية في المسائل التي يريد الله تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت فيه مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة. وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة. هذا ما يقرره الله سبحانه عن كتابه. فمن شاء أن يقول: إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل .. ولكن ليقل معه .. إنه - والعياذ بالله - كافر بهذا الدين مكذب بقول رب العالمين. وهكذا تتبين القضية بقول الله سبحانه {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} .. وهكذا تتبين القضية .. إله واحد، ومالك واحد .. إذن فحاكم واحد. ومشرع واحد .. وإذن فطاعة وإتباع وحكم بما أنزل الله، فهو إيمان وإسلام. أو معصية وحكم بغير ما أنزل الله، فهو كفر وظلم وفسوق .. وهذا هو الدين كما أخذ الله ميثاق العباد جميعًا عليه، وكما جاء به كل الرسل من عنده، أمة محمد صلى الله عليه وسلم والأمم قبلها على السواء.
ولم يكن بد أن يكون"دين الله"هو الحكم بما أنزل الله دون سواه فهذا هو مظهر سلطان الله. مظهر حاكمية الله. مظهر أن لا إله إلا الله.
وهذه الحتمية: حتمية هذا التلازم بين"دين الله"و"الحكم بما أنزل الله"لا تنشأ فحسب من أن ما أنزل الله خير مما يضع البشر لأنفسهم من مناهج وشرائع وأنظمة وأوضاع. فهذا سبب واحد من أسباب هذه الحتمية. وليس هو السبب الأول ولا الرئيسي .. إنما السبب الأول والرئيسي، والقاعدة الأولى والأساس في حتمية هذا التلازم هي أن الحكم بما أنزل الله إقرار بألوهية الله، ونفي لهذه الألوهية وخصائصها عمن عداه .. وهذا هو الإٍسلام بمعناه اللغوي:"الاستسلام"وبمعناه الاصطلاحي كما جاءت به الأديان، الإسلام لله، والتجرد عن ادعاء الألوهية معه، وادعاء أخص خصائص الألوهية، وهي السلطان والحاكمية، وحق تطويع العباد وتعبيدهم بالشريعة والقانون.