إن الجاهلية ليست فترة ماضية من فترات التاريخ، إنما الجاهلية كل منهج تتمثل فيه عبودية البشر للبشر، وهذه الخاصية تتمثل اليوم في كل مناهج الأرض بلا استثناء. ففي كل المناهج التي تعتنقها البشرية اليوم، يأخذ البشر عن بشر مثلهم: التصورات والمبادئ والموازين والقيم والشرائع والقوانين، والأوضاع والتقاليد. وهذه الجاهلية بكل مقوماتها. الجاهلية التي تتمثل فيها عبودية البشر للبشر، حيث يتعبد بعضهم بعضًا من دون الله.
والإسلام هو منهج الحياة الوحيد، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر لأنهم يتلقون التصورات والمبادئ والموازين والقيم، والشرائع والقوانين والأوضاع والتقاليد من يد الله سبحانه. فإذا أحنوا رؤوسهم فإنما يحنونها لله وحده، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده. وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده. ومن ثم يتحررون حقًا من عبودية العبيد للعبيد، حين يصبحون كلهم عبيدًا لله بلا شريك. وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية - في كل صورة من صورها - وبين الإسلام.
إن الأمر في هذا الدين - الإسلام - بل في دين الله كله منذ أن أرسل رسله للناس منذ فجر التاريخ .. إن الأمر في دين الله كله هو: لمن الألوهية في هذه الأرض؟ ولمن الربوبية على هؤلاء الناس؟ .. إن على الإجابة عن هذا السؤال في صيغتيه هاتين، يترتب كل شيء في أمر هذا الدين، وكل شيء في أمر الناس أجمعين!! لمن الألوهية ولمن الربوبية؟ .. لله وحده بلا شريك من خلقه. فهو الإيمان إذن وهو الإسلام.
أو هو لشركاء من خلقه معه، أو لشركاء من خلقه دونه، فهو الشرك إذن أو الكفر المبين.
فإما أن تكون الألوهية والربوبية لله وحده، فهي الدينونة من العباد لله وحده. وهي العبودية من الناس لله وحده. وهي الطاعة من البشر لله وحده وهي الإتباع لمنهج الله وحده بلا شريك .. فالله وحده هو الذي يختار للناس منهج حياتهم، والله وحده هو الذي يسن للناس شرائعهم. والله وحده هو الذي يضع للناس موازينهم وقيمهم وأوضاع حياتهم وأنظمة مجتمعاتهم .. وليس لغيره أفرادًا أو جماعات - شيء من هذا الحق إلا بالارتكان إلى شريعة الله - لأن هذا الحق هو مقتضى الألوهية والربوبية ومظهرها البارز المحدد لخصائصها المميزة.
وإما أن تكون الألوهية أو الربوبية لأحد من خلق الله - شركة مع الله أو أصالة من دونه - فهي الدينونة من العباد لغير الله. وهي العبودية من الناس لغير الله، وهي الطاعة من البشر لغير الله. وذلك بإتباع المناهج والأنظمة والشرائع والقيم والموازين التي يصنعها ناس من البشر، ولا يستندون في وضعها إلى كتاب الله وسلطانه، إنما يستندون إلى أسناد أخرى يستمدون منها السلطان .. ومن ثم فلا دين. ولا إيمان، ولا إسلام، إنما هو الشرك والكفر والفسوق والعصيان .. هذا هو الأمر في جملته وفي حقيقته .. ومن ثم يستوي أن يكون الخروج على حدود الله في أمر واحد، أو في الشريعة كلها .. لأن الأمر الواحد هو الدين - على ذلك المعنى - والشريعة كلها هي الدين .. فالعبرة بالقاعدة التي تستند إليها أوضاع الناس، هي إخلاص الألوهية والربوبية لله - بكل خصائصها - أو إشراك أحد من خلقه معه. أو استقلال خلقه دونه بالألوهية والربوبية بعضهم على بعض. مهما ادعوا لأنفسهم من الدخول في الدين ومهما رددت ألسنتهم - دون واقعهم - أنهم مسلمون.