إن الله - سبحانه وتعالى - يعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة .. يعرضها من زاوية الفطرة التي فطر عليها البشر وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم، وهم بعد في عالم الذر! ..
إن الاعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري، فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة، وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى، فيحتاجون إلى التذكير والتحذير ..
إن التوحيد ميثاق - حتى لو لم يبعث إليها بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم ولكن رحمته اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف، وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل، وأن يبعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل!
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] .
إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها الله - سبحانه - في صورة مشهد، وإنه مشهد فريد .. مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود، تؤخذ في قبضة الخالق المربي، فيسألها .."ألست بربكم".. فتعترف له - سبحانه - بالربوبية وتقر له - سبحانه - بالعبودية، وتشهد له - سبحانه - بالوحدانية، وهي منثورة كالذر، مجموعة في قبضة الخالق العظيم!
إنه مشهد كوني رائع باهر، لا تعرف اللغة له نظيرًا في تصوراتها المأثورة! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى، وهي تجمع وتجمع وتقبض، وهي تُخاطب خطاب العقلاء- بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع- وهي تستجيب استجابة العقلاء، فتعترف وتقر وتشهد! ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب!
إن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد، وهو يتمثل الذر السابح، وفي كل خلية حياة، وفي كل خلية استعداد كامن، وفي كل خلية كائن إنساني مكتمل الصفات، ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول. ويقطع على نفسه العهد والميثاق، قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم [1] .
(1) لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد لتلك الحقبة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية، وفي أعماق الوجود. عرض القرآن الكريم هذا المشهد قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام، ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق، وتلك الطبيعة، فإذا"العلم"يقرر أن الناسلات هي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل"الإنسان"وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب. إن هذه الناسلات التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر، وتكمن فيها خصائصهم كلها، لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب واحد، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة!.
كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال!. وصدق الله العظيم {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ...