فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 246

معالم في طريق الدعوة من الظلال

للشيخ

محمد عبد الهادي المصري

حفظه الله

إن الدعوة الإسلامية على يد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة الدعوة الطويلة إلى الإسلام بقيادة موكب الرسل الكرام .. وهذه الدعوة على مدار التاريخ البشري كانت تستهدف أمرًا واحدًا: هو تعريف الناس بإلههم الواحد وربهم الحق؛ وتعبيدهم لربهم وحده ونبذ ربوبية الخلق .. ولم يكن الناس- فيما عدا أفرادًا معدودة في فترات قصيرة- ينكرون مبدأ الألوهية ويجحدون وجود الله البتة؛ إنما هم كانوا يخطئون معرفة حقيقة ربهم الحق، أو يشركون مع الله آلهة أخرى: إما في صورة الاعتقاد والعبادة؛ وإما في صورة الحاكمية والإتباع؛ وكلاهما شرك كالآخر يخرج به الناس من دين الله، الذي كانوا يعرفونه على يد كل رسول، ثم ينكرونه إذا طال إليهم الأمد، ويرتدون إلى الجاهلية، التي أخرجهم منها، ويعودون إلى الشرك بالله مرة أخرى .. إما في الاعتقاد والعبادة، وإما في الإتباع والحاكمية، وإما فيها جميعًا.

هذه طبيعة الدعوة إلى الله على مدار التاريخ البشري .. إنها تستهدف"الإسلام".. إسلام العباد لرب العباد؛ وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، بإخراجهم من سلطان العباد وحاكميتهم وشرائعهم وقيمهم وتقاليدهم، إلى سلطان الله وحاكميته وشريعته وحده في كل شأن من شؤون الحياة .. وفي هذا جاء الإسلام على يد محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء على أيدي الرسل الكرام قبله .. جاء ليرد الناس إلى حاكمية الله كشأن الكون كله الذي يحتوي الناس؛ فيجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتهم هي السلطة التي تنظم وجوده؛ فلا يشذوا هم بمنهج وسلطان وتدبير غير المنهج والسلطان والتدبير الذي يصرف الكون كله. بل الذي يصرف وجودهم هم أنفسهم في غير الجانب الإرادي من حياتهم. فالناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحبتهم ومرضهم، وحياتهم وموتهم؛ كما هم محكومون بهذه القوانين في اجتماعهم وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية ذاتها؛ وهم لا يملكون تغيير سنة الله بهم في هذا الكون كله؛ كما أنهم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه .. ومن ثم ينبغي أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم؛ فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمة في كل شأن من شؤون هذه الحياة، تنسيقًا بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري، وتنسيقًا بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني ..

ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني، والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري .. هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده. والتي واجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته .. هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في"نظرية"مجردة. بل ربما أحيانًا لم تكن لها"نظرية"على الإطلاق! إنما كانت متمثلة دائمًا في تجمع حركي. متمثلة في مجتمع، خاضع لقيادة هذا المجتمع، وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته، وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك- بإرادة واعية أو غير واعية- للمحافظة على وجوده؛ والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في أية صورة من صور التهديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت