فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 246

(1) القضية الأولى والقضية الكبرى والقضية الأساسية في هذا الدين؛ هي"قضية العقيدة"ممثلة في قاعدتها الرئيسية: الألوهية والعبودية وما بينهما من علاقة. إنها قضية"الإنسان"التي لا تتغير، لأنها قضية وجوده في هذا الكون وقضية مصيره قضية علاقته بهذا الكون وعلاقته بخالق هذا الكون. وهي قضية لا تتغير على توالي الأزمان.

إنها قضية التوحيد قضية"لا إله إلا الله": لا حاكمية إلا لله ولا شريعة إلا من الله ولا سلطان لأحد على أحد لأن السلطان كله لله. إنها طبيعة هذا الدين؛ فهو دين يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة. كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير إنه سر هذا الدين وطبيعته.

"معنى الإيمان بالله"

إن الإيمان بالله معناه إفراده - سبحانه - بالألوهية والربوبية والعبادة، ومن ثم إفراده بالسيادة على ضمير الإنسان وسلوكه في كل أمر من أمور الحياة.

ليس هناك شركاء - إذن - في الألوهية أو الربوبية. فلا شريك له في الخلق، ولا شريك له في تصريف الأمور، ولا يتدخل في تصريفه للكون والحياة أحد، ولا يرزق الناس معه أحد، ولا يضر أو ينفع غيره أحد، ولا يتم شيء في هذا الوجود صغيرًا كان أو كبيرًا إلا ما يأذن به ويرضاه.

وليس هناك شركاء في العبادة يتجه إليهم الناس، لا عبادة الشعائر، ولا عبادة الخضوع والدينونة. فلا عبادة إلا لله، ولا طاعة إلا لله ولمن يعمل بأمره وشرعه فيتلقى سلطانه من هذا المصدر الذي لا سلطان إلا منه. فالسيادة على ضمائر الناس وعلى سلوكهم لله وحده بحكم هذا الإيمان، ومن ثم فالتشريع وقواعد الخلق، ونظم الاجتماع والاقتصاد لا تتلقى إلا من صاحب السيادة الواحد الأحد .. من الله .. فهذا هو معنى الإيمان بالله. ومن ثم ينطلق الإنسان حرًا إزاء كل من عدا الله، طليقًا من كل قيد إلا من الحدود التي شرعها الله، عزيزًا على كل أحد إلا بسلطان من الله.

ليس الإيمان بالله هو كل اعتقاد في الله .. إنما هو صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه - سبحانه - صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع: توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر، كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية، وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله.

فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى، ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى، ومن ثم يكون الدين والإيمان الذي يقبله الله من عباده هو الإسلام. وهو في هذه الحالة: الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة، والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر.

إن الإيمان بالله هو نقطة التحول في حياة البشرية من العبودية لشتى القوى، وشتى الأشياء، وشتى الاعتبارات إلى عبودية واحدة لله تتحرر بها النفس من كل عبودية وترتفع بها إلى مقام المساواة مع سائر النفوس في الصف الواحد أمام المعبود الواحد، ثم ترتفع بها فوق كل شيء وكل اعتبار، وهي نقطة التحول كذلك من الفوضى إلى النظام، ومن التيه إلى القصد، ومن التفكك إلى وحدة الاتجاه. فهذه البشرية دون إيمان بالله الواحد لا تعرف لها قصدًا مستقيمًا، ولا غاية مطردة، ولا تعرف لها نقطة ارتكاز تتجمع حولها في جد وفي مساواة، كما يتجمع الوجود كله، واضح النسب والارتباطات والأهداف والعلاقات ..

إنها الوحدانية الحاسمة التي لا مجال فيها لأي انحراف أو لبس مما طرأ على الديانات السابقة بعد الرسل. هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة"الله لا إله إلا هو".. هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي، والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها. فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى الله، ولا يلتزم الإنسان بطاعة إلا طاعة الله، وما يأمره به من الطاعات، وعن هذا التصور تنشأ قاعدة: الحاكمية لله وحده، فيكون الله وحده هو المشرع للعباد، ويجيء تشريع البشر مستمدًا من شريعة الله. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من الله، فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله، ولا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج الله وهكذا إلى آخر ما ينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت