فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 246

على الدعاة أن يعلنوا دعوتهم ومنهجهم - التوحيد - ودستور هذه الدعوة ووسليتها - القرآن - ثم يكلوا كلًا لمصيره الذي يرتضيه

وفي النهاية تجيء الإيقاعات الأخيرة: حيث يلخص الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته ومنهجه في الدعوة؛ ويكلهم إلى مصيرهم الذي يرتضونه لأنفسهم بعد ما مضى من بيان؛ ويختم بحمد الله كما بدأ، ويدعهم إلى الله يكشف لهم آياته، ويحاسبهم على ما يعملون:

{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ (92) وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ..

وهم كانوا يدينون بحرمة البلدة الحرام والبيت الحرام؛ وكانوا يستمدون سيادتهم على العرب من عقيدة تحريم البيت؛ ثم لا يوحدون الله الذي حرمه وأقام حياتهم كلها عليه.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يقوم العقيدة كما ينبغي أن تقوم، فيعلن أنه مأمور أن يعبد رب هذه البلدة الذي حرمها، لا شريك له؛ ويكمل التصور الإسلامي للألوهية الواحدة، فرب هذه البلدة هو رب كل شيء في الوجود {وله كل شيء} ويعلن أنه مأمور بأن يكون من المسلمين. المسلمين كل ما فيهم له. لا شركة فيهم لسواه. وهم الرعيل الممتد في الزمن المتطاول من الموحدين المستسلمين.

هذا قوام دعوته. أما وسيلة هذه الدعوة فهي تلاوة القرآن:

{وأن أتلو القرآن} ..

فالقرآن هو كتاب هذه الدعوة ودستورها ووسيلتها كذلك. وقد أمر أن يجاهد به الكفار. وفيه وحده الغناء في جهاد الأرواح والعقول. وفيه ما يأخذ على النفوس أقطارها، وعلى المشاعر طرقها؛ وفيه ما يزلزل القلوب الجاسية ويهزها هزًا لا تبقى معه على قرار. وما شرع القتال بعد ذلك إلا لحماية المؤمنين من الفتنة، وضمان حرية الدعوة بهذا القرآن، والقيام على تنفيذ الشرائع بقوة السلطان. أما الدعوة ذاتها فحسبها كتابها .. {وأن أتلو القرآن} ..

{فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ} ..

وفي هذا تتمثل فردية التبعة في ميزان الله، فيما يختص بالهدى والضلال. وفي فردية التبعة تتمثل كرامة هذا الإنسان، التي يضمنها الإسلام، فلا يساق سوق القطيع إلى الإيمان. إنما هي تلاوة القرآن، وتركه يعمل عمله في النفوس، وفق منهجه الدقيق العميق، الذي يخاطب الفطرة في أعماقها، وفق ناموسها المتسق مع منهج القرآن.

{وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ} مقدمة لما يتحدث عنه من صنع الله:

{سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} ..

وصدق الله. ففي كل يوم يرى عباده بعض آياته في الأنفس والآفاق. ويكشف لهم عن بعض أسرار هذا الكون الحافل بالأسرار.

{وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ..

وهكذا يلقي إليهم في الختام هذا الإيقاع الأخير، في هذا التعبير الملفوف. اللطيف. المخيف .. ثم يدعهم يعملون ما يعملون، وفي أنفسهم أثر الإيقاع العميق: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت