فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 246

إن قضية العقيدة - كما جاء بها هذا الدين - قضية اقتناع بعد البيان والإدراك؛ وليست قضية إكراه وغصب وإجبار. ولقد جاء هذا الدين يخاطب الإدارك البشري بكل قواه وطاقاته. يخاطب العقل المفكر، والبداهة الناطقة، ويخاطب الوجدان المنفعل، كما يخاطب الفطرة المستكنة. يخاطب الكيان البشري كله، والإدراك البشري بكل جوانبه؛ في غير قهر حتى بالخارقة المادية التي قد تلجئ مشاهدها إلجاء إلى الإذعان، ولكن وعيه لا يتدبرها وإدراكه لا يتعقلها لأنها فوق الوعي والإدراك.

وإذا كان هذا الدين لا يواجه الحس البشري بالخارقة المادية القاهرة، فهو من باب أولى لا يواجهه بالقوة والإكراه ليعتنق هذا الدين تحت تأثير التهديد أو مزاولة الضغط القاهر والإكراه بلا بيان ولا إقناع ولا اقتناع.

وكانت المسيحية - آخر الديانات قبل الإسلام - قد فرضت فرضًا بالحديد والنار ووسائل التعذيب والقمع التي زاولتها الدولة الرومانية بمجرد دخول الإمبراطور قسطنطين في المسيحية. بنفس الوحشية والقسوة التي زاولتها الدولة الرومانية من قبل ضد المسيحيين القلائل من رعاياها الذين اعتنقوا المسيحية اقتناعًا وحبًا! ولم تقتصر وسائل القمع والقهر على الذين لم يدخلوا في المسيحية؛ بل إنها ظلت تتناول في ضراوة المسيحيين أنفسهم الذين لم يدخلوا في مذهب الدولة؛ وخالفوها في بعض الاعتقاد بطبيعة المسيح!

فلما جاء الإسلام عقب ذلك جاء يعلن - في أول ما يعلن - هذا المبدأ العظيم الكبير.

{لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي} ..

وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان؛ واحترام إرادته وفكره ومشاعره؛ وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد؛ وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه .. وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني .. التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب متعسفة ونظم مذلة؛ لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله - باختياره لعقيدته - أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية، وما تمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها؛ فإما أن يعتنق مذهب الدولة هذا - وهو يحرمه من الإيمان بإله للكون يصرف هذا الكون - وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب!

إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق"الإنسان"التي يثبت له بها وصف"إنسان". فالذي يسلب إنسانًا حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء .. ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة .. وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة.

والإسلام - وهو أرقى تصور للوجود وللحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء - هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين؛ وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين .. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المتعسفة وهي تفرض فرضًا بسلطان الدولة؛ ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!

والتعبير هنا يرد في صورة النفي المطلق: {لا إكراه في الدين} .. نفي الجنس كما يقول النحويون .. أي نفي جنس الإكراه. نفي كونه ابتداء. فهو يستبعده من عالم الوجود والوقوع. وليس مجرد نهي عن مزاولته. والنهي في صورة النفي - والنفي للجنس - أعمق إيقاعًا وآكد دلالة.

ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهدى، وتهديه إلى الطريق، وتبين حقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحت واضحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت