يقول الله سبحانه {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .
هذه هي قاعدة تلقي الشريعة من مصدر واحد .. فهي كذلك تمثل النظرية الدستورية الإسلامية. فسلطان القانون في الإسلام مستمد من أن هذا التشريع جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنًا أو سنة .. والأمة كلها والإمام معها لا تملك أن تخالف عما جاء به الرسول فإذا شرعت ما يخالفه لم يكن لتشريعها هذا سلطان، لأنه فقد السند الأول الذي يستمد منه السلطان .. وهذه النظرية تخالف جميع النظريات البشرية الوضعية، بما فيها تلك التي تجعل الأمة مصدر السلطات، بمعنى أن للأمة أن تشرع لنفسها ما تشاء، وكل ما تشرعه فهو ذو سلطان. فمصدر السلطات في الإسلام هو شرع الله الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والأمة تقوم على هذه الشريعة وتحرسها وتنفذها. والإمام نائب عن الأمة في هذا.
وفي هذا تنحصر حقوق الأمة فليس لها أن تخالف عما أتاها الرسول في أي تشريع. فأما حين لا توجد نصوص فيما جاء به الرسول بخصوص أمر يعرض للأمة فسبيلها أن تشرع له بما لا يخالف أصلًا من أصول ما جاء به الرسول. وهذا لا ينقض تلك النظرية. إنما هو فرع عنها. فالمرجع في أي تشريع هو أن يتبع ما جاء به الرسول إن كان هناك نص. وألا يخالف أصلًا من أصوله فيما لا نص فيه. وتنحصر سلطة الأمة - والإمام نائب عنها - في هذه الحدود .. وهو نظام فريد لا يماثله نظام آخر مما عرفته البشرية من نظم وضعية. وهو نظام يربط التشريع للناس بناموس الكون كله. وينسق بين ناموس الكون الذي وضعه الله له، والقانون الذي يحكم البشر وهو من الله كي لا يصطدم قانون البشر بناموس الكون، فيشقى الإنسان أو يتحطم أو تذهب جهوده أدراج الرياح.
إن هذا الدين يقرر أن التحليل والتحريم هو من شأن الله وحده. لأنهما أخص خصائص الألوهية، فلا تحريم ولا تحليل بغير سلطان من الله. فالله، وحده، هو الذي يحلل للناس ما يحل، ويحرم على الناس ما يحرم وليس لأحد غيره أن يشرع في هذا وذاك، وليس لأحد أن يدعي هذا الحق. لأن هذا مرادف تمامًا لدعوى الألوهية. ومن ثم فإن الجاهلية تحرم أو تحلل، فيصدر هذا التحريم والتحليل عنها باطلًا بطلانًا أصليًا. غير قابل للتصحيح، لأنه لا وجود له منذ الابتداء. فإذا جاء الإسلام إلى ما أحلت الجاهلية أو حرمت فهو يحكم ابتداء ببطلانه كلية بطلانًا أصليًا، ويعتبره كله غير قائم بما أنه صادر من جهة لا تملك إصداره - لأنها ليست إلهًا - ثم يأخذ هو في إنشاء أحكامه إنشاء. فإذا أحل شيئًا كانت الجاهلية تحله أو حرم شيئًا كانت الجاهلية تحرمه، فهو ينشئ هذه الأحكام ابتداء، ولا يُعتبر هذا منه اعتمادًا لأحكام الجاهلية التي أبطلها كلها، لأنها هي باطلة ولم تصدر من الجهة التي تملك وحدها إصدار هذه الأحكام .. وهي الله ..
هذه هي النظرية الإسلامية في الحل والحرمة تشمل كل شيء في الحياة الإنسانية ولا يخرج عن نطاقها شيء في هذه الحياة .. إنه ليس لأحد غير الله أن يحل أو يحرم في نكاح، ولا في طعام، ولا في شراب، ولا في لباس، ولا في حركة، ولا في عمل، ولا في تعامل، ولا في ارتباط، ولا في عرف، ولا في وضع إلا أن يستمد سلطانه من الله حسب شريعة الله.
وكل جهة أخرى تحرم أو تحلل شيئًا من حياة البشر- كبر أم صغر - تصدر أحكامها باطلة بطلانًا أصليًا غير قابلة للتصحيح المستأنف، وليس تجيء هذه الأحكام في الشريعة الإسلامية تصحيحًا واعتمادًا لما كان منها في الجاهلية، إنما هو إنشاء لهذه الأحكام مستندًا إلى المصدر الذي يملك إنشاء الأحكام.