إن القضية هي قضية هذا الدين كما هي قضية هذه العقيدة. فهذه التشريعات والتقاليد، إنما زينها للمشركين شركاؤهم الذين يشرعونها لهم ليدمروا حياتهم ويلبسوا عليهم دينهم؛ وتلبيس الدين وتدمير الحياة مرتبطان فإما شرع الله فهو الدين الواضح والحياة السليمة، وإما شرع غير الله فهو الدين الغامض والحياة المهددة بالردى. إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام منهجًا إلهيًا، جاء ليقرر ألوهية الله في الأرض وعبودية البشر جميعًا لإله واحد، ويصب هذا التقرير في قالب واقعي، هذا المجتمع الإنساني الذي يتحرر فيه الناس من العبودية للعباد، بالعبودية لرب العباد، فلا تحكمهم إلا شريعة الله التي يتمثل فيها سلطان الله، أو بتعبير آخر تتمثل فيها ألوهيته .. فمن حقه إذن أن يزيل العقبات كلها من طريقه، ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم دون حواجز ولا موانع مصطنعة من نظام الدول السياسي، أو أوضاع الناس الاجتماعية .. وإن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام على هذا النحو، واعتباره نظامًا محليًا في وطن بعينه. فمن حقه فقط أن يدفع الهجوم عليه في داخل حدوده الإقليمية. من حق الإسلام أن يخرج"الناس"من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .. ليحقق إعلانه العام بربوبية الله للعالمين، وتحرير الناس أجمعين .. وعبادة الله وحده لا تتحقق في التصور الإسلامي وفي الواقع العملي - إلا في ظل النظام الإسلامي .. فهو وحده النظام الذي يشرع الله فيه للعباد كلهم. حاكمهم ومحكومهم. أسودهم وأبيضهم. قاصيهم ودانيهم. فقيرهم وغنيهم. تشريعًا واحدًا يخضع له الجميع على السواء.
أما في سائر الأنظمة، فيعبد الناس العباد، لأنهم يتلقون التشريع لحياتهم من العباد. وهو من خصائص الألوهية. فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادعى الألوهية اختصاصًا وعملًا، وسواء ادعاها قولًا أم لم يعلن هذا الادعاء! وأيما بشر آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية سواء سماها باسمها أم لم يسمها.
إن هذه الأرض لا تصلح بالتشريعات والتنظيمات .. ما لم يكن هناك رقابة من التقوى في الضمير لتنفيذ التشريعات والتنظيمات .. وهذه التقوى لا تجيش - تجاه التشريعات والتنظيمات - إلا حين تكون صادرة من الجهة المطلعة على السرائر، الرقيبة على الضمائر .. عندئذ يحس الفرد- وهو يهم بانتهاك حرمة القانون - أنه يخون الله، ويعصى أمره، ويصادم إرادته، وأن الله مطلع على نيته هذه وفعله. عندئذ تتزلزل أقدامه، وترتجف مفاصله، وتجيش تقواه.
إن الله أعلم بعباده، وأعرف بفطرتهم وأخبر بتكوينهم النفسي والعصبي - وهو خلقهم - ومن ثم جعل التشريع تشريعه، والقانون قانونه، والنظام نظامه، والمنهج منهجه، ليكون له في القلوب وزنه وأثره ومخافته ومهابته .. وقد علم سبحانه أنه لا يطاع أبدًا شرع لا يرتكن إلى هذه الجهة التي تخشاها وترجوها القلوب، وتعرف أنها مطلعة على خفايا السرائر وخبايا القلوب. وأنه مهما أطاع العبيد تشريع العبيد، تحت تأثير البطش والإرهاب، والرقابة الظاهرية التي لا تطلع على الأفئدة، فإنهم لابد متفلتون منها كلما غافلوا الرقابة، وكلما واتتهم الحيلة. مع شعورهم دائمًا بالقهر والكبت والتهيؤ والانقضاض.