فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 246

عدم الخلط بين التلطف في الدعوة وبيان الحق واضحًا صريحًا فاصلًا قاطعًا جازمًا كاملًا

يمضي هذا الدرس في بيانه حال أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - وكشف الانحراف فيما يعتقدون، وكشف السوء فيما يصنعون؛ في تاريخهم كله - وبخاصة اليهود - كما يمضي في تقرير نوع العلاقة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم والجماعة المسلمة؛ وواجب الرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله معهم وواجب المسلمين .. ذلك إلى تقرير حقائق أساسية ضخمة في أصول التصور الاعتقادي؛ وفي أصول النشاط الحركي للجماعة المسلمة، تجاه المعتقدات المنحرفة وتجاه المنحرفين.

لقد نادى الله - سبحانه - الرسول - صلى الله عليه وسلم وكلفه تبليغ ما أنزل إليه من ربه .. كل ما أنزل إليه .. لا يستبقي منه شيئًا، ولا يؤخر منه شيئًا مراعاة للظروف والملابسات، أو تجنبًا للاصطدام بأهواء الناس. وواقع المجتمع .. وإن لم يفعل فما يكون قد بلغ ..

ومن هذا الذي كلف الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغه أن يجابه أهل الكتاب بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم .. هكذا قاطعة جازمة صريحة جاهرة .. وأن يعلن كذلك كفر اليهود بنقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء، وكفر النصارى بقولهم: إن الله هو المسيح عيسى بن مريم، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة. كما يعلن أن المسيح - عليه السلام - أنذر بني إسرائيل عاقبة الشرك، وتحريم الله الجنة على المشركين .. وأن بني إسرائيل لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم بعصيانهم وعدوانهم.

وينتهي الدرس بكشف موقف أهل الكتاب من مظاهرة المشركين على المسلمين. وإعلان أن هذا ناشئ من عدم إيمانهم بالله والنبي. وأنهم مدعوون إلى الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وإلا فما هم بالمؤمنين ونأخذ بعد هذا الإجمال في مواجهة النصوص بالتفصيل:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ..

إنه الأمر الجازم الحاسم للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملًا، وألا يجعل لأي اعتبار من الاعتبارات حسابًا وهو يصدع بكلمة الحق .. هذا، وإلا فما بلغ وما أدى وما قام بواجب الرسالة .. والله يتولى حمايته وعصمته من الناس، ومن كان الله له عاصمًا فماذا يملك له العباد المهازيل!

إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم! إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة؛ وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء؛ وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل؛ فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء؛ ولا تراعي مواقع الرغبات؛ إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ ..

وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى .. وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان؛ وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة!

{إن الله لا يهدي القوم الكافرين} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت