فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 246

{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا} .

والأرجح أن اليوم المشار إليه هنا هو يوم القيامة. لأن السياق يكاد يعين هذا المعنى. وفي هذا اليوم تصعد الملائكة والروح إلى الله. والروح: الأرجح أنه جبريل عليه السلام، كما سمى بهذا الاسم في مواضع أخرى. وإنما أفرد بالذكر بعد الملائكة لماله من شأن خاص. وعروج الملائكة والروح في هذه اليوم يفرد كذلك بالذكر، إيحاء بأهميته في هذا اليوم وخصوصيته. وهم يعرجون في شؤون هذا اليوم ومهامه. ولا ندرى نحن- ولم نكلف أن ندرى- طبيعة هذه المهام، ولا كيف يصعد الملائكة، ولا إلى أين يصعدون. فهذه كلها تفصيلات في شأن الغيب لا تزيد شيئًا من حكمة النص، وليس لنا إليها من سبيل. وليس لنا عليها من دليل. فحسبنا أن نشعر من خلال هذا المشهد بأهمية ذلك اليوم، الذي ينشغل فيه الملائكة والروح بتحركات تتعلق بمهام ذلك اليوم العظيم.

وأما «كان مقداره خمسين ألف سنة» .. فقد تكون كناية عن طول هذا اليوم كما هو مألوف في التعبير العربي. وقد تعنى حقيقة معينة، ويكون مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة من سني أهل الأرض فعلًا وهو يوم واحد وتصور هذه الحقيقة قريب جدًا الآن. فإن يومنا الأرضي هو مقياس مستمد من دورة الأرض حول نفسها في أربع وعشرين ساعة. وهناك نجوم دورتها حول نفسها تستغرق ما يعادل يومنا هذا آلاف المرات ..

ولا يعنى هذا أنه المقصود بالخمسين ألف سنة هنا. ولكننا نذكر هذه الحقيقة لتقرب إلى الذهن تصور اختلاف المقاييس بين يوم ويوم.

وإذا كان يوم واحد من أيام الله يساوى خمسين ألف سنة، فإن عذاب يوم القيامة قد يرونه هم بعيدًا، وهو عند الله قريب. ومن ثم يدعو الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- إلى الصبر الجميل على استعجالهم وتكذيبهم بذلك العذاب القريب.

{فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا} ..

والدعوة إلى الصبر والتوجيه إليه صاحبت كل دعوة، وتكررت لكل رسول، ولكل مؤمن يتبع الرسول وهى ضرورية لثقل العبء ومشقة الطريق، ولحفظ هذه النفوس متماسكة راضية، موصولة بالهدف البعيد، متطلعة كذلك إلى الأفق البعيد ..

والصبر الجميل هو الصبر المطمئن، الذي لا يصاحبه السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد. صبر الواثق من العاقبة، الراضي بقدر الله، الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء، الموصول بالله المحتسب كل شيء عنده مما يقع به.

وهذا اللون من الصبر هو الجدير بصاحب الدعوة. فهي دعوة الله، وهى دعوة إلى الله، ليس له هو منها شيء. وليس له وراءها من غاية، فكل ما يلقاه فيها فهو في سبيل الله، وكل ما يقع في شأنها هو من أمر الله. فالصبر الجميل إذن ينبعث متناسقًا مع هذه الحقيقة، ومع الشعور بها في أعماق الضمير.

والله صاحب الدعوة التي يقف لها المكذبون، وصاحب الوعد الذي يستعجلون به ويكذبون، يقدر الأحداث ويقدر مواقيتها كما يشاء وفق حكمته وتدبيره للكون كله. ولكن البشر لا يعرفون هذا التدبير وذلك التقدير. فيستعجلون. وإذا طال عليهم الأمد يستريبون. وقد يساور القلق أصحاب الدعوة أنفسهم، وتجول في خاطرهم أمنية ورغبة في استعجال الوعد ووقوع الموعود .. عندئذ يجيء مثل هذا التثبيت وهذا التوجيه من الله الخبير:

{فاصبر صبرا جميلًا} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت