ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في"نظرية"مجردة، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو؛ فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية، ورد الناس إلى الله مرة أخرى، لا يجوز- ولا يجدي شيئًا- أن تتمثل في"نظرية"مجردة. فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائم فعلًا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي، فضلًا على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل، لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وجزئياته. بل لابد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك التجمع الجاهلي القائم فعلًا.
والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام- على مدار التاريخ البشري- هي قاعدة:"شهادة أن لا إله إلا الله". أي إفراد الله- سبحانه- بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية .. إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة. فشهادة أن لا إله إلا الله، لا توجد فعلًا؛ ولا تعتبر موجودة شرعًا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودًا جديًا حقيقية يقوم عليه اعتبار قائلها مسلمًا أو غير مسلم ..
ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية .. أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها، ولا في أي جانب من جوانبها، من عند أنفسهم؛ بل لابد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه .. وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه؛ وهو رسول الله .. وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول:"شهادة أن محمدًا رسول الله".
هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها- وهي تنشئ منهجًا كاملًا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها؛ يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية، في داخل دار الإسلام وخارجها؛ في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى ..
ولكن الإسلام- كما قلنا- لم يكن يملك أن يتمثل في"نظرية"مجردة؛ ليعتنقها من يعتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادة؛ ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا. فإن وجودهم على هذا النحو- مهما كثر عددهم- لا يمكن أن يؤدي إلى"وجود فعلي"للإسلام. لأن الأفراد"المسلمين نظريًا"الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية. سيتحركون طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده وسيدافعون عن كيانه؛ وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه؛ لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدون .. أي أن الأفراد"المسلمين نظريًا"سيظلون يقومون"فعلًا"بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون"نظريًا"لإزالته؛ وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا ويقوى، وذلك بدلًا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي، لإقامة المجتمع الإسلامي!