ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام (أي العقيدة) في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى .. لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه. وأن يكون محور هذا التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته- وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ولاءه من التجمع العضوي الحركي الجاهلي- أي التجمع الذي جاء منه- ومن قيادة ذلك التجمع- في أية صورة كانت، سواء كانت في صورة قيادة دينية، من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم، أو في صورة قيادة سياسية واجتماعية واقتصادية كالتي كانت لقريش، وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد وفي قيادته المسلمة.
لم يكن بد أن يتحقق هذا منذ اللحظة الأولى لدخول المسلم في الإسلام، ولنطقه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. لأن جود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا. لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم؛ لا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق متعاون؛ له وجود ذاتي مستقل، يعمل أعضاؤه عملًا عضويًا- كأعضاء الكائن الحي- على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه؛ وعلى الدفاع عن كيانه ضد العوامل التي تهاجم وجوده وكيانه. ويعملون في هذا تحت قيادة مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلي تنظم تحركهم وتنسقه، وتوجهه لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلامي. ولمكافحة ومقاومة وإزالة الوجود الآخر الجاهلي.
وهكذا وجد الإسلام .. هكذا وجد متمثلًا في قاعدة نظرية مجملة- ولكنها شاملة- يقوم عليها في نفس اللحظة تجمع عضوي حركي مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه لهذا المجتمع .. ولم يوجد قط في صورة"نظرية"مجردة عن هذا الوجود الفعلي .. وهذا يمكن أن يوجد الإسلام مرة أخرى .. ولا سبيل لإعادة نشأته في ظل المجتمع الجاهلية في أي زمان وفي أي مكان، بغير الفقه الضروري لطبيعة نشأته العضوية الحركية.
لقد جاءت هذه العقيدة في صورتها الأخيرة التي جاء بها الإسلام، لتكون قاعدة للحياة البشرية في الأرض من بعدها، ولتكون منهجًا عامًا للبشرية جميعها، ولتقوم الأمة المسلمة بقيادة البشرية في طريق الله وفق هذا المنهج، المنبثق من التصور الكامل الشامل لغاية الوجود كله ولغاية الوجود الإنساني، كما أوضحهما القرآن الكريم، المنزل من عند الله. قيادتهما إلى هذا الخير الذي لا خير غيره في مناهج الجاهلية جميعًا، ورفعها إلى هذا المستوى الذي لا تبلغه إلا في ظل هذا المنهج، وتمتيعها بهذه النعمة التي لا تعدلها نعمة، والتي تفقد البشرية كل نجاح وكل فلاح حين تحرم منها، ولا يعتدي عليها معتد بأكثر من حرمانها من هذا الخير، والحيلولة بينها وبين ما أراده لها خالقها من الرفعة والنظافة والسعادة والكمال.
ومن ثم كان من حق البشرية أن تبلغ إليها الدعوة إلى هذا المنهج الإلهي الشامل، وألا تقف عقبة أو سلطة في وجه التبليغ بأي حال من الأحوال.
ثم كان من حق البشرية كذلك أن يترك الناس بعد وصول الدعوة إليهم أحرارًا في اعتناق هذا الدين، لا تصدهم اعتناقه عقبة أو سلطة. فإذا أبى فريق منهم أن يعتنقه بعد البيان، لم يكن له أن يصد الدعوة عن المضي في طريقها. وكان عليه أن يعطي من العهود ما يكفل لها الحرية والاطمئنان، وما يضمن للجماعة المسلمة المضي في طريق التبليغ بلا عدوان ..