والتوجيه القرآني في هذه الموجة من السياق يعالج هذه المشقة من جانبيها .. ذلك حين يقرر أن الذين يكذبون بهذا الدين أو يحاربون دعوته، يعلمون علم اليقين أن ما يُدعون إليه هو الحق، وأن الرسول الذي جاء به من عند الله صادق. ولكنهم مع هذا العلم لا يستجيبون، ويستمرون في جحودهم عنادًا وإصرارًا، لأن لهم هوى في الإعراض والتكذيب! وأن هذا الحق يحمل معه دليل صدقه، وهو يخاطب الفطرة فتستجيب له، متى كانت هذه الفطرة حية، وأجهزة الاستقبال فيها صالحة: {إنما يستجيب الذين يسمعون} .. فأما الذين يجحدون فإن قلوبهم ميتة وهم موتى وهم صم وبكم في الظلمات. والرسول لا يسمع الموتى ولا يسمع الصم الدعاء. والداعية ليس عليه أن يبعث الموتى. فذلك من شأن الله .. هذا كله من جانب، ومن الجانب الآخر، فإن نصر الله آت لا ريب فيه .. كل ما هنالك أنه يجري وفق سنة الله وبقدر الله، وكما أن سنة الله لا تستعجل، وكلماته لا تتبدل، من ناحية مجيء النصر في النهاية، فكذلك هي لا تتبدل ولا تستعجل من ناحية الموعد المرسوم .. والله لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة - ولو كانوا هم الرسل - فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر الله بلا عجلة، وصبره على الأذى بلا تململ، ويقينه في العاقبة بلا شك .. كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم.
ويحدد هذا التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين- ودور الدعاة بعده في كل جيل - إنه التبليغ، والمضي في الطريق، والصبر على مشاق الطريق .. أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته .. والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل، ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب، كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب .. إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية، وحسابه ليس على عدد المهتدين، إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم، وما استقام كما أمر .. وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس .. {مَنْ يَشَا اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَا يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} ..
{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} وقد بينا من قبل علاقة مشيئة الله الطليقة في الهدى والضلال باتجاه الناس وجهادهم. بما فيه الكفاية.