فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 246

على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم، ولم يقدروا الله حق قدره .. إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية، وباسم الديمقراطية، لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة .. فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي! كما كان الحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وماتزيني مثلًا! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعي الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد، فكيف يا ترى ستقولون غدًا عن الإسلام؟ لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس؟!

إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله .. إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه؛ فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين؛ ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه؛ ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته .. إن الله غني عن العالمين. ومن لم يستجب لدينه عبودية له، وانسلاخًا من العبودية لسواه، فلا حاجة لهذا الدين به، كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة.

ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه، التي يريد الله أن تسود البشرية. فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل، وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية .. إن الذي نزل هذا الدين بمقوماته وخصائصه، وبمنهجه الحركي وأسلوبه، هو - سبحانه - الذي خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه ..

وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية .. نموذج من نماذج متنوعة شتى .. فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني، ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية، ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات .. وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها: {إنما يستجيب الذين يسمعون} .. والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو:

{وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} ..

وفي هذه الآية يحكي قول الذين يكذبون ويعارضون ويطلبون خارقة يراها جيلهم وتنتهي .. ثم يلمس قلوبهم بما يكمن وراء هذا الاقتراح لو أجيب! إنه الأخذ والتدمير! والله قادر على أن ينزل الآية .. ولكن رحمته هي التي اقتضت ألا ينزلها، وحكمته هي التي اقتضت ألا يستجيب لهم فيها ..

وفجأة ينقلهم من هذا الركن الضيق في التصور والتفكير، إلى الكون الواسع. إلى الآيات الكبرى من حولهم. الآيات التي تتضاءل دونها تلك الآية التي يطلبونها. الآيات الباقية في صلب الكون للأجيال كلها من قبلهم ومن بعدهم تراها:

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} ..

وهي حقيقة هائلة .. هي حقيقة تستطيع ملاحظتهم وحدها حينذاك - حيث لم يكن لهم علم منظم - أن تشهد بها .. حقيقة تجمع الحيوان والطير والحشرات من حولهم في أمم. لها سماتها وخصائصها وتنظيماتها كذلك .. وهي الحقيقة التي تتسع مساحة رؤيتها كلما تقدم علم البشر، ولكن علمهم لا يزيد شيئًا على أصلها! وإلى جانبها الحقيقة الغيبية الموصولة بها، وهي إحاطة علم الله اللدني بكل شيء، وتدبير الله لكل شيء .. وهي الحقيقة التي تشهد بها تلك الحقيقة المشهودة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت