فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 246

وأخذ هذا الدفاع العنيد صورًا شتى، في أولها إيذاء القلة المؤمنة التي استجابت للدعوة الجديدة، ومحاولة فتنتها عن عقيدتها بالتعذيب والتهديد. ثم تشويه هذه العقيدة وإثارة الغبار حولها وحول نبيها صلى الله عليه وسلم بشتى التهم والأساليب. كي لا ينضم إليها مؤمنون جدد. فمنع الناس عن الانضمام إلى راية العقيدة قد يكون أيسر من فتنة الذين عرفوا حقيقتها وذاقوها!

وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم طرقًا شتى من الإغراء - إلى جانب التهديد والإيذاء - ليلتقي بهم في منتصف الطريق؛ ويكف عن الحملة الساحقة على معتقداتهم وأوضاعهم وتقاليدهم؛ ويصالحهم ويصالحونه على شيء يرتضيه ويرتضونه! كما تعود الناس أن يلتقوا في منتصف الطريق عند الاختلاف على المصالح والمغانم وشؤون هذه الأرض المعهودة [1] .

وهذه الوسائل ذاتها أو ما يشبهها هي التي يواجهها صاحب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل! والنبي صلى الله عليه وسلم ولو أنه رسول، حفظه الله من الفتنة، وعصمه من الناس .. إلا أنه بشر يواجه الواقع الثقيل في قلة من المؤمنين وضعف. والله يعلم منه هذا، فلا يدعه وحده، ولا يدعه لمواجهة الواقع الثقيل بلا عون ومدد وتوجيه إلى معالم الطريق.

وهذه الآيات تتضمن حقيقة هذا العون والمدد والتوجيه:

{إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلًا} .

وهي اللفتة الأولى إلى مصدر التكليف بهذه الدعوة، وينبوع حقيقتها .. إنها من الله، هو مصدرها الوحيد وهو الذي نزل بها القرآن، فليس لها مصدر آخر، ولا يمكن أن تختلط حقيقتها بشيء آخر لا يفيض من هذه الينبوع. وكل ما عدا هذا المصدر لا يتلقى عنه، ولا يستمد منه، ولا يستعار لهذه العقيدة منه شيء، ولا يخلط بها منه شيء. ثم إن الله الذي نزل هذا القرآن وكلف بهذه الدعوة لن يتركها. ولن يترك الداعي إليها، وهو كلفه، وهو نزل القرآن عليه.

ولكن الباطل يتبجح، والشر ينتفش، والأذى يصيب المؤمنين، و الفتنة ترصد لهم، والصد عن سبيل الله يملكه أعداء الدعوة ويقومون به ويصرون عليه، فوق إصرارهم على عقيدتهم وأوضاعهم وتقاليدهم وفسادهم وشرهم الذي يلجون فيه، ثم هم يعرضون المصالحة، وقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق .. وهو عرض يصعب رده ورفضه في مثل تلك الظروف العصيبة.

هنا تجيء اللفتة الثانية:

«فاصبر لحكم ربك، ولا تطع منهم آثمًا أو كفورا» ..

إن الأمور مرهونة بقدر الله. وهو يمهل الباطل، ويملى للشر، ويطيل أمد المحنة على المؤمنين والابتلاء والتمحيص .. كل أولئك لحكمة يعلمها، يجرى بها قدره، وينفذ بها حكمه .. «فاصبر لحكم ربك» ..

حتى يجيء موعده المرسوم .. اصبر على الأذى والفتنة. واصبر على الباطل يغلب، والشر يتنفج. ثم اصبر أكثر على ما أوتيته من الحق الذي نزل به القرآن عليك. اصبر ولا تستمع لما يعرضونه من المصالحة والالتقاء في منتصف الطريق على حساب العقيدة: «ولا تطع منهم آثمًا أو كفورا» .. فهم لا يدعونك إلى طاعة ولا إلى بر ولا إلى خير. فهم آثمون كفار. يدعونك إلى شيء من الإثم والكفر إذن حين يدعونك إلى الالتقاء بهم في منتصف الطريق، وحين يعرضون عليك ما يظنونه يرضيك ويغريك، وقد كانوا يدعونه باسم شهوة السلطان، وباسم شهوة المال، وباسم شهوة الجسد. فيعرضون عليه مناصب الرياسة فيهم والثراء، حتى يكون أغنى من أغناهم، كما يعرضون عليه الحسان الفاتنات، حيث كان عتبة بن ربيعة يقول له: «ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ابنتي، فإني من أجمل قريش بنات!» .. كل الشهوات التي يعرضها أصحاب الباطل لشراء الدعاة في كل أرض وفي كل جيل.

(1) يراجع في هذا الجزء تفسير سورة القلم: {ودوا لو تدهن فيدهنون} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت