فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 246

(1) القاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام، وهى عقيدة التوحيد، تفرض على معتنقيها أن يتجمعوا في كيان عضوي حركي منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه، وان يكون محور هذا التجمع الجديد قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى توحيد الله وخلع ولائهم من التجمع الجاهلي الذي جاءوا منه. فإن حياة الناس لا تصلح إلا بأن يتولى قيادتها المبصرون أولوا الألباب الذين يدفعون السوء والفساد في الأرض بالصلاح والإحسان، ولا يرتكنون إلا إلى الله وحده، ولا يستمدون إلا منه سبحانه، لا يتوجهون إلا إليه، ولا يتلقون إلا منه.

وأخيرًا يختم هذا الدرس، وتختم السورة معه، بيان طبيعة العلاقات في المجتمع المسلم، وطبيعة العلاقات بينه وبين المجتمعات الأخرى، وبيان الأحكام المنظمة لهذه العلاقات وتلك، ومنه تتبين طبيعة المجتمع المسلم ذاته، والقاعدة التي ينطلق منها والتي يقوم عليها كذلك .. إنها ليست علاقات الدم، ولا علاقات الأرض ولا علاقات الجنس، ولا علاقات التاريخ، ولا علاقات اللغة، ولا علاقات الاقتصاد .. ليست هي القرابة، وليست هي الوطنية، وليست هي القومية، وليست هي المصالح الاقتصادية .. وإنما هي علاقة العقيدة، وعلاقة القيادة، وعلاقة التنظيم الحركي .. فالذين آمنوا وهاجروا إلى دار الهجرة والإسلام، متجردين من كل ما يمسكهم بأرضهم وديارهم وقومهم ومصالحهم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آووهم ونصروهم ودانوا معهم لعقيدتهم وقيادتهم في تجمع حركي واحد، أولئك بعضهم أولياء بعض .. والذين آمنوا ولم يهاجروا ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية، لأنهم لم يتجردوا بعد للعقيدة، ولم يدينوا بعد للقيادة، ولم يلتزموا بعد بتعليمات التجمع الحركي الواحد .. وفي داخل هذا التجمع الحركي الواحد تعتبر قرابة الدم أولى في الميراث وغيره .. والذين كفروا بعضهم أولياء بعض كذلك .. هذه هي الخطوط الرئيسية في العلاقات والارتباطات، كما تصورها هذه النصوص الحاسمة:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت