فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 246

(2) التجمع الحركي يتناسق داخله العمل الفردي مع العمل الجماعي. فالإسلام على شدة ما عنى بالضمير الفردي وبالتبعة الفردية، ليس دين أفراد منعزلين، وإنما هو دين يحكم حياة البشرية ويصرفها ويهيمن على كل نشاط فردى وجماعي في كل اتجاه، وهو يصوغ ضمير الفرد على أساس أنه يعيش في جماعة ذات التزامات جماعية بين أفرادها، والجميع: الجماعة وأفرادها، يتجهون إلى الله ويشكلون نواة إقامة الدولة المسلمة. ولذلك كان الفرد في الجماعة المسلمة منضبطًا في سياق القيادة، وكانت القيادة منضبطة في سياق الشورى، فطابع الشورى طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المسلمة، مدلوله أعم وأشمل وأعمق من محيط الدولة وشؤون الحكم، بل إن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة التي يتحقق فيها المنهج الإسلامي الذي يهيمن على الحياة الفردية والجماعية ..

الداعية مكلف أن يصلح نفسه ظاهرًا وباطنًا وأن يجاهد في سبيل دعوته، لكن دون أن ينعزل وحده، بل الدعوة والجهاد يتناسق فيهما العمل الفردي مع العمل الجماعي

هذه السورة تستهدف أمرين أساسيين واضحين في سياقها كل الوضوح، إلى جانب الإشارات والتلميحات الفرعية التي يمكن إرجاعها إلى ذينك الأمرين الأساسيين:

تستهدف أولًا أن تقرر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة، سبقته صور منه تناسب أطوارا معينة في تاريخ البشرية، وسبقته تجارب في حياة الرسل وحياة الجماعات، تمهد كلها لهذه الصورة الأخيرة من الدين الواحد، الذي أراد الله أن يكون خاتمة الرسالات. وان يظهره على الدين كله في الأرض ..

ومن ثم يذكر رسالة موسى ليقرر أن قومه الذين أرسل إليهم آذوه وانحرفوا عن رسالته فضلوا، ولم يعودوا أمناء على دين الله في الأرض: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .. وإذن فقد انتهت قوامة قوم موسى على دين الله، فلم يعودوا أمناء عليه، مذ زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، ومذ ضلوا فأضلهم الله والله لا يهدى القوم الفاسقين.

ويذكر رسالة عيسى ليقرر أنه جاء امتدادًا لرسالة موسى، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وممهدا للرسالة الأخيرة ومبشرا برسولها، ووصلة بين الدين الكتابي الأول والدين الكتابي الأخير: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} .

وإذن فقد جاء ليسلم أمانة الدين الإلهي التي حملها بعد موسى إلى الرسول الذي يبشر به.

وكان مقررًا في علم الله وتقديره أن تنتهي هذه الخطوات إلى قرار ثابت دائم، وأن يستقر دين الله في الأرض في صورته الأخيرة على يدي رسوله الأخير: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت